فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 463

وصاحبُ (المُجْمَل) هو أبو الحسينِ أحمدُ بنُ فارسٍ (395هـ) ، وكتابُهُ الذي نَقَلَ القرافيّ نَصَّهُ منه هو مُعْجَم (مُجْمَل اللغة) [1] .

وقد ذَكَرَ ابن قتيبةَ (276هـ) نَحْوَ ما نَقَله القرافيّ عن ابنِ فارسٍ، ثم عَقَّبَ بقوله: «ومنهم مَن يَجعلُ (الجُهْدَ) و (الجَهْدَ) واحدًا، ويحتجُ بقولِ اللهِ تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} (التوبة: 79) ، وقد قُرِئَ: {جَهْدَهم} [2] وقراءة الضَّم: {جُهْدَهم} هي قراءة الجمهور، وقَرَأ ابنُ هُرمُز (117هـ) [3] وجماعةٌ: {جَهْدَهم} - بالفتح - [4] . ولا أرى في مجيءِ الآيةِ الكريمةِ بالقراءتينِ حجّةً لمن قال بعدم الفرق بينَ الكلمتينِ مُطلقًا، ولكن قد يَكون فيهِ دليلٌ على أنَّ اللُّغَة قد تتوسَّعُ في استعمالِهما، فتُحِلُّ إحداهما مَحَلَّ الأُخرى أحيانًا، بسببِ اتحادِ أصلِهِما اللُّغويّ؛ قال ابن فارس (395هـ) : «الجيم والهاء والدّال: أصْلُهُ المَشَقَّةُ، ثم يُحْمَل عليه ما يُقارِبُهُ» [5] . فإذا كان أصل المادّة هو (المشقّة) ، فإن (الطّاقة) معنًى غيرُ بعيدٍ من هذه الدّلالة؛ قال الرّاغب الأصفهانيّ (425هـ) : «الطاقة: اسم لمقدار ما يمكنُ للإنسانِ أن يفعَلَه بمشقةٍ، وذلك تشبيهٌ بالطوقِ المحيط بالشيءِ؛ فقوله: {وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (البقرة: 286) ، أي: ما يَصْعُبُ علينا مزاوَلَتُه.» [6] .

وممّا يدلّ على تغايُر الكلمتين في الاستعمال: أنّهما جاءتا في القرآن الكريم في سياقَينِ لغويينِ متباينينِ؛ فـ (الجَهْد) - بالفتح - جاء مضافًا خمسَ مراتٍ إلى اسم ظاهرٍ هو كلمة (أيْمان) ، والمعنى: بلوغُ غايةِ الجَهْدِ في الأيمان، أي: أقصى ما في

(1) ينظر: 1/ 464 - 465.

(2) أدب الكاتب: 308.

(3) هو الإمام الحافظ الحجة المُقرئ أبو داود، عبد الرحمن بن هُرْمز المدني الأعرج. قيل: أنَّهُ أول مَن وَضَعَ العربيّة، وكان أعلمَ الناس بأنساب قريش، وقيل: أنَّهُ أخذ العربيّة عن أبي الأسود الدؤلي. (ينظر: سِيَرُ أعلام النبلاء: 5/ 69 - 70) .

(4) قراءة الجماعة: {جُهْدَهم} - بضم الجيم -، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ عطاء ومجاهد وابن هرمز: {جَهْدَهم} - بفتح الجيم -، وهي لغة غير أهل الحجاز. (ينظر: مختصر في شواذ القرآن: 54، و: إعراب القراءات الشّواذّ: 1/ 627، و: معجم القراءات: 3/ 429 - 430) .

(5) معجم مقاييس اللُّغة: 1/ 486.

(6) مفردات ألفاظ القرآن: 532.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت