فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 463

نحو: نِشْدَةَ سوءٍ، أو نِشْدَةَ لُطْفٍ، أو بقرينةٍ معنويّة» [1] . فيمكن - على هذا - الاكتفاءُ بالمصدر (عِزَّة) في التّعبير عن المرّة أو الهيئة على حد سواء، وتكون القرينةُ اللّفظيّة أو المعنويّة هي المعيِّنَة للمُراد. وممّا قد يؤكِّدُ ما سبق ذكرُهُ أنَّ سيبويه (180هـ) ذَكَرَ أنَّ (الفِعْلَة) قد تأتي غيرَ مُرادٍ بها معنى الهيئة؛ فقال: «وقد تجيءُ (الفِعْلَةُ) لا يُرادُ بها هذا المعنى؛ وذلك نحو: الشِّدَّة، والشِّعْرَة، والدَّرْيَة، وقد قالوا: الدِّرْيَة ... ، وتقول: هو بِزِنَتِهِ ... ، وتقول: العِدَّة، كما تقول: القِتْلَة، وتقول: الضِّعَة، والقِحَة ... لا تريدُ شيئًا من هذا، كما تقول: الشِّدَّة، والدِّرْيَة، والرِّدَّة، وأنت تريدُ الارتداد.» [2] .

ويبدو أنَّ القرافيّ كان يَنْظُر هنا إلى اسم المرّة في ضوء مفهوم اسم الجنس الجمعيّ الذي يُمَيَّزُ بَيْنَهُ وبينَ مُفْرَدِهِ بالتاء، وهو ما ذَكَرَهُ القدماءُ صراحةً؛ إذ قال سيبويه (180هـ) : «فإذا جاؤوا بالمرّة جاؤوا بها على (فَعْلَة) ، كما جاؤوا بـ (تَمْرَة) على (تَمْر) ، وذلك: قَعَدتُ قَعْدَةً، وأتَيْتُ أتْيَةً» [3] ، فـ (العِزُّ) - على هذا - كاسم الجنس الجمعيّ، وقد مُيِّزَ بينَه وبين مُفْرَدِهِ (العِزَّة) بالتاء.

ويذكر ابن قيِّم الجوزيَّة (751هـ) أنَّ حَذْفَ التّاء من بعض المصادر يؤذنُ بأنَّ المُرادَ المصدرُ نَفْسُهُ، وأنَّ الإتيانَ بها يُؤْذِنُ بالتّحديد بالمرّة من المصدر «كالحَبِّ والحَبَّةِ؛ فالسَّلام والجمال والجلال كالجنس العامّ من حيث لم يكن فيه تاء التّحديد، والسَّلامة والجَلالَةُ والمَلاحَةُ والفَصاحَةُ كلّها تدلّ على الخصلة الواحدة. ألاّ ترى أنَّ المَلاَحَة خَصْلَةٌ من خصال الكمال، والجلالة خَصْلَةٌ من خِصال الجلال، ولهذا لم يقولوا: كَمالَة، كما قالوا: مَلاَحَة، وفَصاحَة؛ لأنّ الكمالَ اسم جامع لصفات الشّرف والفضل، فلو قالوا: كَمالَة، لنَقَضَوا الغَرضَ المقصودَ من اسم (الكمال) ، فتأمَّلْهُ ... فجاؤوا في الجنس الذي يشمل الأنواع بغير تاء، وجاؤوا في أنواعه وأفراده بالتاء» [4] .

(1) شرح شافية ابن الحاجب: 1/ 310.

(2) الكتاب: 4/ 44 - 45.

(3) الكتاب: 4/ 45.

(4) بدائع الفوائد: 2/ 608. وينظر: نتائج الفكر في النحو: 250 - 251.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت