هـ. الفرق بين: (العِزّ) ، و (العِزَّة) ، و (العَظَمَة) [1] :-
قال القرافيّ: «الصّفات تارة تكون بلفظ التّذكير، كقولنا: وجَلال اللهِ، وعَلاءِ اللهِ، وتارةً تكون بلفظ التأنيث، كقولنا: وعزّةِ اللهِ، وعَظَمَةِ اللهِ تعالى. فأمّا لفظ التّذكير، فلا كلامَ فيه هاهُنا، وأمَّا لفظُ التّأنيث بالهاء، فإنَّهُ مُشْعِر بشيء واحد ممّا يَصْدُقُ عليه. ولذلك تفرق العرب بين قول القائل: عَزَّ زيدٌ عِزًّا، وعَزَّ عِزَّةً؛ فالأوّل يحتمل جميع أنواع العزّة مفردةً ومجموعةً ... ، وأمَّا اللّفظ الثّاني، وهو: عَزَّ زيدٌ عِزَّةً، فإنَّهُ لا يتناول - لغةً - إلاّ فردًا واحدًا من العزة؛ إمّا بماله، أو بجاهه، أو بسطوته، أو بغير ذلك من أسباب العزة ... وأمَّا لفظ (العَظَمة) ، فإنّ بينه وبينَ لفظ (العِزَّة) فرقًا؛ فإن العرب تقول: عَظُمَ زيدٌ عَظَمَةً، في غالب استعمالهم، فكأنّه هو المصدر المتعيِّن دون (عظمًا) - بغير تاء التأنيث -، وأمَّا (عَزَّ عِزًّا) فمشهور. ولا يُنْطَق بهاء التّأنيث إلاّ إذا قُصِدَت الوَحدة، نحو: ضَرَبَ ضَرْبةً، فلا يتناول إلاّ ضَرْبةً واحدةً، كذلك (عِزَّة) لا يتناول إلاّ عزّةً واحدةً.» [2] .
إنَّ قول القرافيّ: «ولا يُنْطَقُ بهاء التّأنيث إلاّ إذا قُصِدَت الوَحْدَة، نحو: ضَرَبَ ضَرْبَةً ... ، كذلك (عِزَّة) لا يتناول إلاّ عِزَّةً واحدةً» قد يوهِمُ - للوهلة الأولى - خلطًا بين صيغتين؛ إحداها: للوَحْدَةِ (أو المَرَّة) أصالةً، وهي صيغة (فَعْلَة) ، والأُخرى: للهيئة أصالةً، وهي صيغة (فِعْلَة) ، غيرَ أنَّ هذا الوَهمَ سرعانَ ما يتبدّد عندما يُعْلَم أنَّ القرافيّ فرقَ بين الصيغتينِ بما لا يَسْمَحُ بالخَلْطِ بينَهما في فَرْقٍ مستقلّ ذَكَرْتُهُ في البحث.
وقد ذَكَرَ علماء التّصريف قاعدةً يمكن أن نُفيدَ منها هنا؛ وهي أنَّ مصدر الفعل الثّلاثيّ المُجَرَّد الذي فيه تاءٌ، نحو: طِلْبَة، ونِشْدَة، وكُدْرَة، يُسْتَعْمَل «على حالِهِ للمرة والنوع، ويُفَرَّقُ بين المرة والنوع بقرينة لفظيّة، نحو: نَشَدتُ نَشْدَةً واحدةً، أو نوعًا؛
(1) ارتأيتُ إيداع هذا الفرق هنا، على الرغم من أن الفرق بين (العزة) و (العظمة) (وهو الشق الثاني من الفرق) يَصْلُحُ لأن يودَعَ في الفروق بين المفردات - تغليبًا مِنّي للشق الأول من الفرق (وهو الفرق بين العِز والعِزَّة) على الآخر؛ لأهميته في نفسه من حيث تعلقه بدقيقة من دقائق فلسفة اللُّغة، ولمزيد اعتناء القرافيّ به.
(2) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق بين قاعدة ما يوجب الكفّارةَ بالحلف من صفات الله تعالى إذا حنث، وبين قاعدة ما لا يوجب كفّارةً إذا حَلَفَ به من ذلك) : 3/ 784 - 785.