فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 463

لمتاع الدّنيا كان ملتبسًا بها وفيها، والثاني عابِرها إلى الآخِرَة، فليس فيها، وإنّما هو في الآخرة.» [1] .

وما نَقَلَهُ القرافيّ - على جمال معناه - لا تُساعِدُ عليه الأُصول اللّغويّة ولا السياقات القرآنيّة؛ فأصل الضَّرْبِ في اللُّغة: إيقاع شيء على شيء. ولِتَصَوُّر اختلاف طُرُق الضرب خولِفَ بين تفاسيرها، كضَرْبِ الشيء باليد، والعصا، والسيف، وضَرْب الأرضِ بالمَطَر، وضَرْبِ الدّراهم اعتبارًا بضرب المِطرقة، والضّرب في الأرض، أي: الذّهاب فيها وضربها بالأرجل [2] ؛ ومن ذلك قوله تعالى: {لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} (البقرة: 273) ، أي: سَفَرًا وذَهابًا؛ وذلك لأنَّ المسافِرَ كالضاربِ الأرضَ برجْلِهِ. و: ضَرَبَ في الأرضِ - أيضًا - أسْرَعَ [3] . وقد نَصَّ الفيروزآباديّ (817هـ) على شمول الضَّرْبِ في الأرضِ سَفَرَ التجارةِ وسَفَرَ الغَزْوِ كليهما، ذاكرًا الفرقَ بينه وبينَ ضَرْبِ الأرضِ؛ فقال إنَّ ضَرَبَ «في الأرض، ضَرْبًا، وضَرَبانًا: خَرَجَ تاجرًا أو غازيًا، أو أسْرَعَ، أو ذَهَبَ. وبِنَفْسِهِ الأرضَ: أقامَ» [4] .

وذَكَرَ الزّمخشريّ (538هـ) أنَّ من المعاني المجازيّة التي يَخرجُ إليها الضَّرْبُ: ضَرَبَ في الأرضِ، و: ضَرَبْتُ له الأرضَ كُلَّها فلم أجِدْهُ، وضَرَبَ الأرضَ: إذا أبْدى [5] .

ولا يختلف استعمال القرآن عَمّا ذُكِرَ آنفًا؛ فقد قال محمّد رشيد رِضا في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (النّساء: 101) : «الضّرب في الأرض عبارة عن السّفر فيها؛ لأنَّ المسافِرَ يضرب الأرضَ برجليه، وعَصاه، أو بقوائم راحلته، كما يُقال: طَرَقَ الأرضَ، إذا مَرَّ بها، كأنّه ضَرَبها بالمطرقة، ومنه

(1) الذّخيرة (في صلاة المسافر) : 2/ 366.

(2) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 505.

(3) ينظر: عمدة الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 2/ 1506.

(4) القاموس المحيط: 1/ 191.

(5) ينظر: أساس البلاغة: 2/ 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت