فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 463

وفَرقَ ابنُ قيّم الجوزيّة (751هـ) بين أن تكون دلالة (وراء) مكانيّة، وأن تكون زمانيّة؛ فذكر أنَّ دلالتها المكانيّة هي (خَلْف) التي هي ضد (أمام) ، أمَّا دلالتها الزمانيّة فهي (بعدَ) التي هي ضدّ (قبلَ) ، وَرَدَّ على من جَعَلَ (وراء) بمعنى (أمام) مطلقًا، محتجًا بقوله تعالى: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ} (إبراهيم: 16) ، وجَهَنَّم - على قول ذلك المحتجّ - إنّما هي أمامَ الكافر، فقال ابن القيّم في إبطال هذه الحجّة: «فالمعنى: أنَّهُ مُلاقٍ جهنّمَ بعدَ موتِهِ، فهي من بَعْدِهِ، أي: بعدَ مُفارَقَتِهِ الدّنيا، فهي لَمّا كانت بعد حياتِهِ كانَتْ وراءَهُ، لأنَّ (وراءَ) كـ (بعدَ) ؛ فكما لا يكونُ (بعد) : (قبل) ، فلا يكون (وراء) : (أمام) . وأنت لو قلتَ: جهنَّمُ بعدَ موتِ الكافر، لم يَكُنْ فيها معنى (قبل) بوجهٍ، فـ (وراء) ههُنا زمانٌ لا مكانٌ، فتأمَّلْه. فهي خَلفَ زمانِ حياتِهِ وبَعْدَهُ، وهي أمامَهُ ومُسْتَقْبِلَتُهُ، فكونُها خَلْفًا وأمامًا باعتبارَيْنِ، وإنّما وَقعَ الاشتباهُ لأنَّ بعديةَ الزّمانِ إنّما تكون فيما يُسْتَقْبَلُ أمامَك، كقولك: بعدَ غدٍ، وورائيّةُ المكانِ فيما تَخَلَّفَ وراءَ ظَهْرِكَ، فـ: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ} ورائيّةُ زمانٍ لا مكانٍ.» [1] .

ويمكن عَدُّ ما ذكره ابن القيّم تنظيرًا جيّدًا لما استقراهُ القرافيّ قبلَهُ من اطِّراد مجيء (وراء) الزّمانيّة في القرآن الكريم بمعنى المستقبل.

(1) بدائع الفوائد: 4/ 1646 - 1647.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت