فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 463

إنَّ توجيه القرافيّ للفرق بين التّعبيرين يعتمد معنى الظرفيّة الزّمانيّة فيهما، واستعمالَهما في القرآن بهذا المعنى؛ فقد اطَّرَدَ مجيءُ (بين الأيدي) في القرآن بمعنى الماضي، و (وراء) بمعنى المستقبل على ما بَيَّنَ القرافيّ في استقرائه الرّائع الذي أزاحَ الكثيرَ من الإشكالات والتّساؤلات التي كانت تكتنف استخدام المادّتين في القرآن.

على أنَّ الفرّاءَ (207هـ) رأى أنَّهُ يجوز استعمال أحد التّعبيرين مكانَ الآخر إذا كانا ظرفينِ للزّمان، بعدَ أن بَيَّنَ عَدَمَ جواز ذلك في المرئيّات أو الحسيّات؛ فقال: «ولا يجوز أن تقول لرجل وراءَك: هو بينَ يديك، ولا لرجل هو بينَ يديك: هو وراءَك؛ إنّما يجوز ذلك في المواقيت من الأيام واللّيالي والدّهر أن تقول: وراءَك بَرْدٌ شديد، و: بينَ يديكَ بَرْدٌ شديد؛ لأنّك أنت وراءَه، فجاز لأنّه شيء يأتي، فكأنّه إذا لحقك صارَ مِن ورائك، وكأنَّك إذا بلغْتَهُ صارَ بينَ يديك، فلذلك جاز الوجهانِ.» [1] . ولكنّ المتأمل فيما جاءَ في القرآن من استعمال التّعبيرين زمانيًّا يرى أنَّهُ يَشْهَدُ للفرق الذي قَعَّدَهُ القرافيّ بينهما.

أمَّا ما ذَكَرَهُ الأضداديّون في كتبهم من أنَّ (وراء) تأتي بمعنى (خَلْف) وبمعنى (قُدّام) أو (أمام) [2] فقد وَجَّهَهُ ابن قُتيبةَ (276هـ) بأنَّهُ يعود إلى اشتراك (وراء) و (المواراة) و (التّواري) في الاشتقاق؛ فقال: «و (وراء) تكون بمعنى (خلف) ، وبمعنى (قُدّام) ، ومنها: المواراة والتواري؛ فكلّ ما غاب عن عينك فهو وراء، كان قُدّامَكَ أو خَلفَكَ» [3] . ووافقه الرّاغب الأصفهانيّ (425هـ) بقوله: «يُقال: وارَيْتُ كذا، إذا سَتَرْتَهُ ... ، و (وراء) : إذا قيل: وراءَ زيدٍ كذا، فإنَّهُ يقال لمن خَلْفَه ... ، ويُقال لِمَا كانَ قُدّامَه ... ، وقولُهُ: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} (الحشر: 14) ، فإنّ ذلك يُقال في أيّ جانب من الجِدار؛ فهو وراءه باعتبار الذي في الجانب الآخر.» [4] .

(1) معاني القرآن: 2/ 157.

(2) ينظر: كتاب الأضداد لابن السّكّيت (244هـ) : 81 - 82، و: كتاب الأضداد لأبي حاتم السّجستانيّ (255هـ) : 92 - 94، و: كتاب الأضداد لابن الأنباريّ (327هـ) : 68 - 69، و: كتاب الأضداد في كلام العرب لأبي الطّيّب اللُّغويّ (351هـ) : 412 - 414.

(3) تأويل مشكل القرآن: 189.

(4) مفردات ألفاظ القرآن: 866.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت