فعميتْ جُيوشُ الكفّار [1] . فهذا وجهُ المشابهة، ومعنى الحديث، وهو مبنيٌّ على هذهِ القواعدِ من التّشبيه، فلِجَهْلِهِم بها وَقعُوا في الكفر والإلحاد.» [2] .
وقد وَهم القرافيّ في عزوهِ الحديثَ الذي ذَكَرَهُ إلى صحيح مسلم؛ فقد تَفَرَّدَ البخاريّ بإخراجه في صحيحه دونَ مُسلمٍ وأصحابِ السُّنَنِ الأربعةِ، وإنّما رواه أيضًا مَعَهُ أبو نُعَيم في (حلية الأولياء) ، والبيهقيُّ في (الزُّهْدِ) و (السُّنن) ، والبَغَوِيُّ في (شرح السُّنَّة) [3] .
ط. الفرقُ بينَ: (بينَ الأيدي) ، و (وراءَ) :-
قال القرافيّ: «وقع في القرآنِ (بينَ الأيدي) ، والمرادُ به الماضي، وتقريرُهُ: أنَّ الداخلَ الموجودَ كالعابِرِ لدربٍ؛ فالدّاخلُ قَبْلَه يكونُ بَين يديه، والدّاخلُ بعدَه يكون وراءَه، والماضي بالنّسبة إلينا دَخَلَ قبلَنَا، والمستقبلُ يَدْخُلُ بعدَ دخولِنا، فلذلك عَبَّرَ عن الماضي أبدًا بما بين الأيدي، وعن المستقبل بأنَّهُ وراءَنا؛ فمن ذلك: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} (فصلت: 42) ، أي: من الكتب الماضية، {وَلا مِنْ خَلْفِهِ} أي: في المستقبل، وقوله تعالى: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ} (آل عمران: 50) ، وهي قبلَه، {وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} (الإنسان: 27) ، {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كلّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} (الكهف: 79) ، أي: في المستقبل، لأنّهم كانوا سيقدمون عليه لم يتعدّوه بعد، ولو تَعَدَّوْه لأمِنوا منه. وعلى هذه القاعدة تتخرّج هذه الألفاظ حيث وَقَعَتْ في الكتاب العزيز. وقوله تعالى: {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} (المجادلة: 12) ، لأنَّ النّجوى تقع في الزّمن المستقبل بعد الصّدقة، فكانت الصّدقة ماضيةً بالنّسبة إلى زمن النّجوى، فتأمّله في مواطنه، فربَّما خفيَ في مواطنه.» [4] .
(1) كان ذلك في غزوة بدر الكبرى؛ إذ روى عروة وقتادة أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - رمى الحصى في وجوه المشركين. (ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 4/ 30 - 31، و: السيرة النبويّة الصحيحة: 2/ 363) .
(2) نفائس الأُصول في شرح المحصول (في أنَّ المجاز يتوقّف على السمع) : 2/ 928 - 929.
(3) ينظر: صحيح البخاريّ ومعه فتح الباري: 11/ 414، و: جامع العلوم والحِكَمَ في شَرح خمسينَ حديثًا من جوامع الكَلِم: 2/ 330.
(4) نفائس الأُصول في شرح المحصول (في جواز نسخ القرآن) : 6/ 2555.