ح. الفرق بينَ: (زيدٌ كالأسدِ) ، و: (زيدٌ الأسدُ) ، و: (الأسدُ كزيدٍ) ، و: (الأسَدُ زيدٌ) :-
قال القرافيّ: «قال الأُدَباءُ: أصلُ التّشبيهِ: زيدٌ كالأسدِ، وفي الرتبةِ الثّانيةِ: زيدٌ الأسدُ، وفي الرتبةِ الثّالثةِ: الأسَدُ كزيدٍ، وفي الرتبة الرّابعةِ: الأسدُ زيدٌ.
ووجهُ المبالغةِ: أنَّ مع حَذْفِ الكافِ جُعلَ زيدٌ نفسَ الأسدِ، وهو أبلغُ من تشبيهه به؛ لأنَّ المُشَبَّهَ أقْصَرُ رُتبةً من المُشَبَّهِ به. ثمّ إذا عَكَسْنا القضيّةَ صَيَّرْنا الأسدَ يُشبِهُ زيدًا، فهو أبلغ في شجاعة زيد، ومن هذا الباب مكانٌ ورد في السّنّة الصحيحة في (مُسْلم) وغيرِهِ، ظلّ يجهله كثير من غلاة الصوفيّة، واعتَقَدوا الاتّحادَ في حقّ الله تعالى وفي حقّ صفاته العُلا، وهو قولُهُ عليه السّلام - حكايةً عن الله تعالى: «ما تَقَرَّبَ إليَّ أحَدٌ بمثل أداءِ ما افترضْتُ عليه، ولا يزال يتقرّب إليَّ بالنوافِلِ حتّى أُحِبَّه؛ فإذا أحبَبْتُهُ كنتُ سَمْعَهُ الذي يَسمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَه الّتي يَبْطِشُ بها» [1] . فقال أهل الضّلال: أخبر الله تعالى أنَّ ذاتَهُ تعالى تَصير صِفاتِ العَبيدِ. ووَجْهُ تقرير الحديث: أنَّ أصلَ الكلامِ: فإذا أحبَبْتُهُ صار سَمْعُهُ كسمعي، وبَصَرُه كبصري، ويَدُه كقدرتي، ثم بالَغَ في التّشبيه فَحَذَفَ أداةَ التّشبيه، فقال: سمعُهُ سمعي، وبَصَرُه بصري، ويَدُه قدرتي، ثم عكس مبالغةً، فقال: كان سمعي سمعه، وبصري بصره، وقدرتي يده، ثمّ حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامَهُ. وإذا حُذِفَ السّمعُ من قوله: (سمعي) ، لم يبقَ إلا الياءُ، والياءُ ضميرٌ مخفوضٌ لا يَصْلُحُ أن يكونَ اسمَ (كان) ، فعُوِّضَتْ بالتّاءِ المرفوعةِ التي تصلح أن تكون اسمَ (كان) ، فقال: كنتُ سَمْعَه، وبَصَرَه، ويَدَه. ومعنى حصول الشَّبَه: أنَّ سَمْعَ العبدِ يَصيرُ مُشَبهًا بسمع الله تعالى من جهةِ أنَّهُ مخالفٌ لمجرى العادةِ، كما اتَّفَقَ ... وجاءَتْ يَدُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خلافِ مجرى العادةِ في رَمْيهِ بِكَفٍّ من حصًى،
(1) روى هذا الحديثَ البخاريّ (256هـ) في صحيحه (الحديث رقم 6502) .