فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 463

صارت بمنزلة (إن) وما أشبهها، ولم يَجُزْ فيها ما جاز فيها قبل أن تجيءَ بـ (ما) [1] .

ويُلاحَظ أنَّ الفرّاء سَلَكَ (حيث) في حروف الاستفهام في النّصّ المذكور آنفًا ولم يَشْتَهِرْ أنَّها تُفيد الاستفهام. وقد أجاب الدكتور كاظم إبراهيم عن هذا بأنّها قد تتضمّن هذا المعنى - عند الفرّاء - عند اقترانها بـ (ما) ، واقتران جوابها بالفاء [2] . ودليله على ذلك أنَّ الفرّاء ذَكَرَ - في السّياق نفسه - أنَّ (لولا) - التي لم تشتهر هي أيضًا بالاستفهام - تُضَمَّنُ معنى الاستفهام إذا اقترن جوابُها بالفاء، على أن يُنْصَبَ فِعْلُ الجواب؛ فقال: «فإذا أدخَلْتَ في جواب الاستفهام فاءً نصْبتَ، كما قال الله تبارك وتعالى: {لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} (المنافقون: 10) ، فنَصَبَ.» [3] .

وقد وجدتُ الهَرَويَّ (415هـ) يوافقُ قولُهُ قولَ الفرّاءِ في (لولا) ؛ فَذَكَرَ أنَّها تكون استفهامًا بمعنى (هَلاّ) [4] ، محتجًّا بالآية نفسها، وهي قوله تعالى: {لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} ، وبقوله تعالى: {لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} (الفرقان: 7) » [5] .

هذا ما كان من أمر النّحويّين وموقفهم من هذه القضيّة، أمَّا الأُصوليّون فقد كانوا أكثر مرونةً في تعاملهم مع الموضوع من النّحويّين؛ إذ عَدَّ بعضُهُم - غير القرافيّ - (حيثُ) وَحْدَها أداةَ شرطٍ، ومنهم السّرخسيّ والنّسفيّ [6] ، ونَبَّهَ البخاريّ الحنفيّ على أنَّ استعمال (حيثُ) للشّرط في نحو: أنتِ طالقٌ حيثُ شئتِ، إنّما جُعِلَ مجازًا لحرف الشّرط (إن) [7] .

(1) الكتاب: 3/ 58 - 59.

(2) ينظر: النّحو الكوفيّ - مباحث في معاني القرآن للفرّاء: 60.

(3) معاني القرآن: 1/ 86.

(4) هذا ما جاء في مطبوعة (الأُزهيّة في علم الحروف) ، ولَعَلَّ صواب النَّصّ عند الهَرَويّ: «بمعنى (هَلْ) » ، ولم يُحْكِمْ ذلك مُحَقِّقُ النَّصّ؛ إذ إنَّ (هَلاّ) حرف تحضيض لا حرف استفهامٍ. (ينظر: هامش مغني اللّبيب: 3/ 457، طبعة الكويت) .

(5) كتاب الأُزهيّة في علم الحروف: 166.

(6) ينظر: أسلوب الشّرط بين النّحويّين والأُصوليّين: 422.

(7) ينظر: حروف المعاني وعلاقتها بالحكم الشّرعيّ: 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت