ونيّتُهُ جازمة، فأدلّة الشّرع تقتضي أنَّ له مثلَ أجْرِ المجاهد؛ والآخَر: معذور ليس من نيّتِهِ الجهادُ، ولا هو عازم عليه عَزْمًا تامًّا، فهذا لا يستوي هو والمجاهد [1] . وأمَّا قول الثّمانينيّ بجواز حَمل قراءة النّصب على الحال؛ فقد ضَعَّفَ ذلك ابنُ القيّم، ذاكرًا أنَّ الاستثناء أصحُّ، مُعَلِّلًا ذلك بأنّ (غيرًا) لا تكاد تقع حالًا إلاّ مضافةً إلى نكرة، كقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ} (البقرة: 173) ، وقوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ} (المائدة: 1) ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَرْحبًا بالوفدِ غيرَ خزايا ولا ندامى» [2] . فإن أُضيفَتْ إلى معرفةٍ كانت تابعةً لما قبلها، كقوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} (الفاتحة: 7) ، وأنّنا لو قلنا: مَرحبًا بالوَفدِ غيرِ الخزايا ولا النّدامى، لجَرَرْنا (غيرًا) [3] .
د. الفرق بين قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا} (النّساء: 168) ، وقوله تعالى: {لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ} (النّحل: 104) :-
قال القرافيّ: «ما الفرق بين قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا} (النّساء: 168) ، وبين قوله تعالى: {لا يَهْدِيهِمُ اللهُ} (النّحل: 104) ؟ ... الفرق بين قولنا: لا يَقومُ زيدٌ، وبين قولنا: لَم يَكُن لِيَقُومَ: أنَّ الأوّلَ يقتضي سَلْبَ الفعلِ مع إمكانِ كونِهِ سجيّةً له، وأنّه قابلٌ له. وإذا قلنا: لم يكن ليقومَ، يقتضي أنَّهُ ما قامَ، وأنَّه ليس سجيّةً له، بل سجيّتُهُ تقتضي نقيضَه، فهو أبلغُ في النّفي. فقولُ الله تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} : أنَّ وَضع الشّرائعِ الربّانيّةِ يَقتضي عَدَمَ المغفرةِ، لا أنَّ وضعَ الشّرائع يَقْبَلُ ذلك ولم يقع، ولا نقول: وَضْعُ الرّبوبيّةِ يقتضي ذلك، بل وَضْعُ الشّرائع؛ لأنَّ عندنا أنَّ للهِ تعالى أن يَغْفِرَ للكافر لولا ما ورد في الشّرائع من الأخبار عن عدم ذلك. ثمّ هذه الصّفةُ وردت في كتاب الله تعالى في المستحيل عقلًا، والممكن البعيد المستحيل عادةً؛ فالأوّلُ: كقوله تعالى: مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ
(1) ينظر: طريق الهجرتين وباب السّعادتين: 590 - 593.
(2) اتَّفَقَ على رواية هذا الحديث البخاريّ (256هـ) في صحيحه (الحديث رقم 53) ، - واللّفظُ له -، ومُسْلِم (261هـ) في صحيحه (الحديث رقم 115) .
(3) ينظر: طريق الهجرتين وباب السّعادتين: 585 - 586.