ليست للعموم، ولم يوجَد ذلك إلاّ في هذه اللّفظة خاصَّةً، وأشَدُّ الألفاظ بها شبهًا أسماءُ الأعداد؛ فإنّها موضوعة للكلّ من حيث هو كلّ، ومع ذلك فالنّفي فيها سواء تقدّم أو تأخّر؛ ... فلا فرق بين قولك: ما له عندي ألف، وبين قولك: ألف ليست له عندي، وإنّما يقتضي نفي الألف من حيث هي ألف، ويجوز أن يكون له عندك تسعمئةٍ وتسعةٌ وتسعونَ، فلا يختلف النّفي في التّقديم والتّاخير إلاّ في لفظة (كلّ) خاصّة، دون جميع ألفاظ اللّغة العربيّة. وقد وقع لابن عطيّة في تفسيره في قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} (المائدة: 50) أنَّهُ قُرئَ برفع (حكم) ونصبه [1] ؛ فجَعَلَهُ مُخَرَّجًا على لفظ (كلّ) في بيت الشّعر المتقدّم، وليس كذلك؛ فإنَّ هذا اسمُ جنسٍ أُضيفَ، واسم الجنسِ إذا أُضيفَ لا يختلف النّفي فيه متقدّمًا ومتأخرًّا؛ فلا فرقَ بين قولك: ماءُ البحرِ ليس نجسًا، وبين قولك: ليسَ ماءُ البحرِ نجسًا، إنَّ نفي النّجاسة يثبت لكلّ فرد من أفراد ماء البحر، ولعلّه رحمه الله إنّما يريد بالتّنظير بالبيت الشَّبَهَ في النّصب خاصّةً، دون اختصاص الحكم بالبعض ...
هذا إذا وقَعَتْ هذه اللّفظة [2] مستقلّةً بنفسها، فإن وقعت تأكيدًا أو تبعًا للّفظ، كقولنا: لم أرَ القومَ كُلَّهم، أو: القومُ كُلُّهم لم أرَهم، هل يختلف حكمه في التّقديم والتّأخير؛ فيعمّ متقدّمًا في المثال الأوّل دون الثّاني؟، هذا ممّا لم أرَ فيه نقلًا ... والظّاهر عندي التزامُ قاعدة (كلّ) ، والتزام قاعدة التّأكيد، وأنّ اختلاف النّفي في التّقدّم والتّأخّر إنّما هو في كلّ فرد إذا كان مستقلاًّ، لا تبعًا وتأكيدًا.» [3] .
وتُعْرَف هذه المسألة بعُموم السَّلْب وسَلبِ العُموم؛ فمثال عموم السَّلْبِ: قولنا: (كلّ القومِ لم يَقُمْ) ، وهذا يفيد التّنصيصَ على كلّ فرد؛ أمَّا مثال سَلب العموم؛ فقولنا:
(1) قراءة النصب هي قراءة الجمهور، أمّا قراءة الرّفع فشاذّة، قرأ بها السلميّ وابن وثّاب وأبو رجاء والأعرج ويحيى بن يعمر وإبراهيم النخعيّ. (ينظر: مختصر في شواذّ القرآن: 32، و: معجم القراءات: 2/ 287) .
(2) أي كلمة (كلّ) .
(3) العِقد المنظوم في الخصوص والعموم (في سرد صيغ العموم الدّالة بالوضع الأوّل على العموم لغةً) : 1/ 353 - 356.