تلك التي في كتابِهِ (أنور البروق في أنواء الفروق) الذي ذَكَرَ في مقدّمته أنَّ أصولَ الفقه - في غالبِ أمرِهِ - «ليسَ فيهِ إلاّ قواعِدُ الأحكامِ النّاشئةُ عن الألفاظِ العربيّة خاصَّةً، وما يَعْرِضُ لتلك الألفاظِ من النَّسْخِ، والتّرجيح، ونحو: الأمرُ للوجوبِ، والنّهيُ للتّحريمِ، والصّيغةُ العامّةُ للعموم، ونحو ذلك» [1] . ومعلومٌ أنَّ بحثي هذا إنّما يَقَعُ في دائرةِ علومِ اللُّغةِ لا علمِ أُصول الفقهِ، لِذا جَعَلْتُ معيارَ الغَلَبَةِ لِما هو لُغَويٌّ على ما هو أُصوليٌّ في المعالجةِ أو في النّتائج والثّمراتِ هو الحاكِمَ على ما أدخَلْتُهُ من الفروقِ في هذا الفَصْلِ وما استبعدتُهُ منها.
أمَّا ترتيبُ الفروقِ في هذا الفَصْلِ فقد اقتفيتُ فيه آثارَ ترتيب القرافيّ للموضوعات الأُصوليّة في كتابِهِ (شرح تنقيح الفصول) ، الذي هو شرحٌ للمقدّمةِ الأُصوليّةِ الصّغيرةِ (تنقيح الفصول) ، وهو كتابٌ يُظْهِرُ شخصيّةَ القرافيّ العِلميّةَ مستقلّةً متميّزةً واضحةَ المعالِمِ والقَسَماتِ في كلّ ما يَمُتُّ إلى التأليفِ الأُصوليّ بِصِلةٍ، ابتداءً بتبويب الكتابِ وتنسيقِ فصولِهِ وترتيبِها، ومرورًا بالمادّةِ الأُصوليّة الواسِعَةِ التي نَثَرَها في فصولِ الكتابِ ومباحِثِهِ، وانتهاءً بالاجتهاداتِ النّاضجةِ التي تَبَدَّتْ في مُعظمِ ما أثارَهُ القرافيّ من مُحاكمات أُصوليّةٍ، وموازناتٍ لغويّةٍ في صفحاتِ هذا الكتابِ.
ولم أعتمدْ هنا المقدّمَةَ الأُصوليّةَ (تنقيحَ الفصولِ) نَفْسَها، لعدمِ استيعابِ مادّتِها كلّ الفروقِ التي تجمّعَتْ لّدَيَّ. ولم ألجأْ كذلكَ إلى كتابِ القرافيّ الأُصوليّ الكبير (نفائس الأُصول في شرح المحصول) ، لأنَّهُ لا يَعْكِسُ استقلالَ شخصيّتِهِ العلميّةِ تمامًا؛ لتقيّدِهِ - عمومًا - بمادّةِ (المحصول) ، ودورانِهِ في فَلَكِهِ.
أوّلًا: (في الاصطلاحات) :-
- (في الفرق بينَ الوَضْعِ والاستعمال والحَمْل) -
أ. الفرق بين: (الوَضْعِ) ، و (الاستعمالِ) ، و (الحَمْلِ) :-
قال القرافيّ إنَّ الوضع، والاستعمال والحَمْل تلتبس على كثير من النّاس، لذا مَسَّت الحاجة إلى معرفتها في أنفسها، ثمّ معرفة الفروق بينها؛ فذكر أنَّ الوَضْعَ «في
(1) أنوار البروق في أنواء الفروق: 1/ 70.