اصطلاح العلماء يقال بالاشتراك على ثلاثة معانٍ؛ أحدها: جعلُ اللّفظ دليلًا على المعنى، كتسمية الولد زيدًا، ومنه وَضع اللّغات.» [1] ، وهو المسمّى الوَضع اللُّغويّ. وثانيها: «غلبة استعمال اللّفظ في المعنى، حتّى يصيرَ أشهرَ فيه من غيرِهِ. وهذا هو وَضعُ المنقولات الثّلاثة: الشّرعيّ، نحو: الصّلاة؛ والعرفيّ العامّ، نحو: الدّابّة؛ والعرفيّ الخاصّ، نحو: الجَوْهَر والعَرَض عند المتكلّمين.» [2] ، «وهذا هو وَضع الحقائق الشّرعيّة والعُرْفِيّة؛ فإنَّ حَمَلَةَ الشّريعةِ لم يجتمعوا في موضع واحد أو زمان واحد، وقالوا: نتّفق على تسميةِ ... العبادات، ... وكذلك لم يجتمع أهل العرف على جعل اللّفظ للدّابة بإزاء الحمار أو غيرِهِ، بل كَثُرَ الاستعمال في هذه المعاني وهُجِرَ غيرُها، حتّى صارَ لا يُفْهَم إلاّ هي، فهذا معنى الوضع فيها. وثالثها: أصل الاستعمال ولو مَرَّةً واحدةً، وهو المُرادُ بقول العلماء: مِنْ شَرْطِ المجازِ الوَضْعُ، أو ليسَ من شرطِهِ ذلك، خِلاَفٌ. ومُرادُهُم بالوَضْعِ: أنَّهُ لابُدَّ أن يُسْمَعَ من العربِ النَّصُّ بذلك النّوع من المجاز ولو مَرَّةً واحدةً، ولا يُسَمّونَ النّطقَ مَرَّةً واحدةً وَضعًا إلاّ في هذا الموضع.
وأمَّا الاستعمال، فهو: إطلاقُ اللّفظِ وإرادةُ مُسَمّاهُ بالحُكْمِ؛ وهو الحقيقة، أو غيرِ مُسَمّاهُ لعَلاقةٍ بينهما، وهو المجاز.
والحَمْلُ: اعتقادُ السّامِع مُرادَ المتكلّمِ مِن اللّفظِ؛ فمعنى قول العلماء إنَّ الشّافعيّ - رضي الله عنه - حَمَلَ الآيةَ على الحيض، أي: اعتَقَدَ أنَّ هذا مُرادُ اللهِ تعالى من الآيةِ، فَيَؤولُ الحَمْلُ إلى دلالةِ اللّفظِ.
فتلخَّصَ أنَّ الوضعَ سابقٌ، والحمْلَ لاحقٌ، والاستعمالَ متوسّط، وأنّ المستَعْمِلَ والحامِلَ معلومانِ، والواضِعَ مجهول - على الخلاف في ذلك -، وأنَّ كلّ واحدٍ منها يتأتّى منه الاستعمالُ والحَمْلُ ويَتَعذَّر منه الوَضْعُ. فهذه فروق ثلاثة بين الوَضعِ والآخَرَينِ.» [3] .
(1) نفائس الأُصول (في الفرق بين الوضع والاستعمال والحَمل) : 2/ 587.
(2) شرح تنقيح الفصول (في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل) : 20.
(3) نفائس الأُصول في شرح المحصول: 2/ 587 - 588.