ويُعَدُّ تمييزُ معاني الوَضع، والاستعمال، والحَمْل مُهمًّا، لأنّها تَرِدُ على المعنى الواحد، لكن باعتبارات متغايرة، فَوَقَعَ الالتباس في حقائقها على كثير من النّاس. وقد نَقَلَ الشّوشاويُّ (899هـ) عن بعض شرّاح (تنقيح الفصول) أنَّ القرافيّ انفردَ من بين الأُصوليّين بذكر العلاقة بين هذه الأقسام الثّلاثة وتلخيص الفروق بينها في فصل معيّن [1] .
ويَتَحَصَّلُ من كلام القرافيّ أنَّ أقسامَ الوَضعِ خمسةُ أقسام: الوضعُ اللُّغويّ - وهو المتبادر من كلمة الوضع -، والوضعُ الشّرعيّ، والوضعُ العرفيّ العامّ، والوضعُ العرفيُّ الخاصّ، ووَضْعُ المجازِ، وهو استعمالُ اللّفظِ في المعنى ولو مَرَّةً واحدةً [2] .
والحَقُّ أنَّ الوَضعَ اللُّغويّ هو الذي يستحقُّ وَحْدَهُ أن يُسَمّى وَضعًا، أمَّا الأقسامُ الأربعةُ الأُخرى فليست في أنفسها وَضعًا، وإنّما هي من قبيل استعمال اللّفظ في المعاني الجديدة، مع تكرّر ذلك الاستعمال، حتّى يُصْبِحَ هو المتبادرَ عند التّخاطب، فهذه الأقسام متأخّرة عن الوضعِ اللُّغويّ [3] .
أمَّا الاستعمال فقسمان: إطلاقُ اللّفظ وإرادةُ مُسَمّاهُ بالحُكْمِ، وهو الحقيقة، وإطلاقُ اللّفظِ وإرادةُ غيرِ مُسَمّاهُ، وهو المجاز.
وقول القرافيّ «وإرادة مُسَمّاهُ بالحُكْم» : المقصود بالحُكْمِ فيه: الكلامُ، أي: «بأنواع الكلامِ مطلقًا؛ لا فَرْقَ بين الخبر والطَلَبِ، ولا فرقَ بين الثّبوت والنّفي، ولا فَرْقَ بين الاستفهام وغيره. مثال ذلك: قولُكَ: رأيتُ أسدًا ... ، فالحكم في هذا المثال، وهو الرؤيةُ: خَبَر، وكذلك إذا قلتَ: ما رأيتُ أسدًا. وإذا قُلْتَ: اضربِ الأسدَ، أو: لا تضرب الأسَدَ، فالحُكم في هذين المثالين: طَلَبٌ. وإذا قلتَ: هل رأيتَ الأسدَ؟، فالحكمُ في هذا المثال استفهام، وغير ذلك من أنواع الكلام.» [4] . ويُفْهَم من معنى الاستعمال «أنَّ اللّفظَ بعدَ الوَضْع وقبلَ الاستعمالِ، ليسَ بحقيقةٍ ولا مجاز؛ لأنّه لا يُعْلَم أنَّهُ
(1) ينظر: رفع النّقاب عن تنقيح الشّهاب: 1/ 203.
(2) ينظر: طرق الاستدلال ومقدماتها عند المناطقة والأُصوليّينَ: 72 - 74.
(3) ينظر: طرق الاستدلال ومقدّماتُها عند المناطقة والأُصوليّين: 72.
(4) رفع النّقاب عن تنقيح الشّهاب: 1/ 194 - 195.