والمتأمّل في تراث الأُصوليّين والفقهاء يجدهم قد خاضوا معترك الدّلالات، بوصفِهِ المقصودَ أوّلًا من علم الأُصول، لأنّه بمنزلة التّصوّر الذي يسبق التّصديقَ ضرورةً عند المناطقة؛ فأقاموا شجرة الدّلالات بفروعها وأغصانها وعساليجها، ووضعوا لكلّ غُصْنٍ وغُصَيْنٍ لقبًا يتميّز به [1] . بل إنَّ الأُصوليّين لا يَفْهَمونَ اللُّغةَ إلاّ على أنَّها ألفاظٌ ترتبط بمعانٍ؛ فمن تعريفاتها عندهم: أنَّها «كلّ لفظ وُضِعَ لمعنًى» ، أو: «عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني» ، أو: «اللّفظ الدّالّ وَضعًا» [2] . «وهكذا كان الأُصوليّون أكثَرَ مَنْ تنبَّه إلى علاقة اللّفظ بمعناه، لما يترتّب على ذلك من أثر في فهم المضمون، لارتباط المعنى بالأمر الدّينيّ الذي يبعث فيهم تحرّجًا وحرصًا.» [3] .
وقد قَسَّمَ الأُصوليّون - بوحيٍ من اهتمامهم الفائق بالألفاظ ومعانيها - الدّلالةَ باعتبارات مختلفة؛ فباعتبار الدّالّ؛ «إمّا أن يكون لفظًا أو غيرَ لفظٍ؛ فإن كان لفظًا فهي دلالة لفظيّة، وإلاّ فهي دلالة غيرُ لفظيّة» [4] . وقد قَسَّمَ القرافيّ - كما ذكرتُ آنفًا - الدّلالة اللّفظيّة على قسمين: دلالة اللّفظ، والدّلالة باللّفظ، ثم قَسَّمَ كلاًّ منهما على ما ذَكَرَ في موضعه.
وأمَّا باعتبار «وحدة المعنى المدلول عليه أو تعدّده، فتنقسم إلى: مترادف، ومتواطئ، ومشترك، ومتباين. وباعتبار قُوَّتِها تنقسم إلى: دلالة قطعيّة، ودلالة ظنيّة.» [5] .
وممّا تجدر الإشارة إليه هنا أنَّ أبا حامد الغزاليّ (505هـ) ذَكَرَ فَرْقًا بين أقسام دلالة اللّفظ الثّلاثة: المطابقة، والتّضمّن، والالتزام، لم يذكرْهُ القرافيّ؛ فقال مُحَذِّرًا: «وإياكَ أن تستعمل ... من الألفاظ ما يَدُلُّ بطريقِ الالتزام، لكن اقتَصِرْ على
(1) ينظر: أمالي الدّلالات ومجالي الاختلافات: 63.
(2) ينظر: مدرسة المتكلّمين ومنهجها في دراسة أُصول الفقه: 312.
(3) التّصوّر اللُّغويّ عند الأُصوليّين: 40.
(4) قواعد الاستنباط من ألفاظ الأدلّة: 43.
(5) قواعد الاستنباط من ألفاظ الأدلّة: 43 - 44.