فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 463

الوقوع، فتجري على حَسَب ما وُجِدَتْ له إن قويًّا أو ضعيفًا، أمَّا غيرُها من العلل فإنَّ الحُكْمَ دائرٌ معها وجودًا وعدمًا [1] .

ويمكن أن نَعُدَّ بعضَ الدّراسات الحديثة التي عُنِيَتْ بنقد القياس والتّعليل النَحْوِيَّيْنِ التقليديّينِ امتدادًا - وإن يكن غيرَ مقصود - للبناء الفكريّ الذي شادَهُ القرافيّ من قبلُ على أساسٍ من التمييز بين العلل اللّغويّة وما سواها من العلل؛ إذ يؤكّد الدكتور عليّ أبو المكارم أهمّيّةَ الانطلاق من الواقع اللُّغويّ والمقدّمات النقليّة عند التّعليل، منتقدًا منهج التّعليل النّحويّ عند المتأخّرين الذين ساقَهُمُ المنهج المنطقيّ إلى موقفٍ مضاد لطبيعة المادّة نفسها؛ إذ حَمَلَهُم على أن يكونَ المحور الأساسيّ في البحث النّحويّ هو الفكرة العقليّة أو الصّورة الذّهنيّة وليس النّقل الذي يَنْسخُ كلّ فكرة لا تنبثق منه [2] .

وانتقدَ الدكتور أبو المكارم النّحويّينَ الذين وَقعوا في شَرَك التّشابه السّطحيّ الشّكليّ بين القياس الأُصوليّ والقياس المنطقيّ، المتمثّل بعمليّة إلحاقٍ شكليّةٍ تهدف إلى إعطاء الفرع حُكْمَ الأصلِ، غيرَ ملتفتينَ إلى الفرق المنهجيّ الذي ينبغي أن يكونَ ماثلًا في الأذهان، وهو أنَّ القياس المنطقيّ عمليةٌ ذهنيّةٌ لا تبدأ من الوجود الواقعيّ باعتباره المصدر الأساسيّ للمقدِّمات، وإنّما تنطلق من القضايا الكليّة الذهنيّة في أذهان القياسيّينَ المنطقيّينَ، بخلاف القياس اللُّغويّ الذي ينبغي أن يتركّزَ على أُسس نقليّة منذ البداية [3] . ولإيضاح فكرته، عَقَدَ موازنةً بين نَصَّيْنِ؛ أحدهما لأبي إسحاق الشّاطبيّ (790هـ) [4] ، والآخَر لأبي البركات الأنباريّ (577هـ) ؛ إذ يرى الأوّل أنَّا «إذا قلنا: ضربَ زيدٌ عَمرًا، وأردنا أن نعرفَ ما الذي يُرْفَعُ من الاسمينِ وما الذي يُنْصَب، فلابدّ من معرفة الفاعل من المفعول؛ فإذا حقّقنا الفاعل وميّزناه حكمنا عليه بمقتضى المقدّمة النّقليّة، وهي أنَّ كلّ فاعل مرفوع، ونصبنا المفعول كذلك، لأنَّ

(1) ينظر: فَيض نشر الانشراح من رَوْض طيّ الاقتراح: 2/ 844.

(2) ينظر: تقويم الفكر النّحويّ: 130.

(3) ينظر: تقويم الفكر النّحويّ: 126 - 128.

(4) هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمّد اللَّخميّ الغرناطيّ، المعروف بالشّاطبيّ. بَرَعَ في الفقه والأُصول والعربيّة. من أهمّ كتبه: الموافقات في أُصول الفقه، والاعتصام. (ينظر: الفكر السّامي: 4/ 291) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت