العسكريّ ماثِلٌ يَشْهَدُ بذلك -، بل أصبحَتْ لَبِناتٍ مهمّة في البناء الكلّيّ الذي تكون فيه.
2.تضافُرُ الفروق اللّغويّة وأخواتها الفقهيّة والأُصوليّة، في جدليّةِ استمدادٍ مُتَبادَلٍ مبدعةٍ، لتشكيل لوحةٍ فروقيّة متلاحمةِ الأجزاء، يَنْزِع بعض أعضائها إلى بعضٍ نزوعًا قويًّا شديدَ الأسْرِ.
ج. أنَّ التوجّه الأُصوليّ طغا على غيره من التوجّهات في مُعظَم ما عالجَهُ من الفروق اللّغويّة، وهذا أتاح له الكشفَ عن جوانبَ فروقيّة دلاليّة، لم يُتَحْ للكثير من المشتغلين بعلوم اللُّغة سَبْرُ أغوارِها، واستكناهُ أسرارها.
د. أنَّ الشمول والتكامل طَبَعَا معالجتَهُ مستوياتِ الفروقِ جميعًا؛ بدءًا من مستوى الفروع والمفردات، ومرورًا بمستوى الضوابط والقواعد، وانتهاءً بمستوى الأُصول والكليّات.
هـ. أنَّ الاجتهادَ والانعتاق من ربقة التقليد أسْفَرا عن مُحيّاهُما في دراساته عامَّةً، وفيما تناوَلَهُ من الفروق خاصَّةً، كما في الفرق بين الاستثناء من غير الجنس والاستثناء المنقطع، الذي خَرَجَ فيه بنتيجةٍ فارَقَ فيها جمهورَ النّحويّينَ من قبلِهِ.
و. أنَّ التجديدَ والإبداعَ تجلَّيا في الكثير ممّا عالجَهُ من الفروق؛ كما في توجُّهه تِلقاءَ القرآن الكريم، وجَعْلِهِ قِبْلَةً يُوَلّي وجْهَهُ شطرَها، لاستنباط القواعد النّحويّة، ممثّلًا بذلك إرهاصًا ناضجًا لِما باتَ يُعْرَف في أيّامنا هذه بـ (نظريّة النّحو القرآنيّ) ، فراحَ القرافيّ يستنبط دقائق الفروق النّحويّة التي تولِّدها القراءات المختلفة للآية الواحدة، وهو توجّه طوَّرَهُ من بعدِهِ أبو جعفر الرعينيّ في كتابه (تحفة الأقران) .
وثمّةَ مظهر تجديديّ آخَرُ نلمسُهُ في ولوعه باقتناص الفروق بين القواعد الأُصوليّة والفقهيّة واللّغويّة، على حين كان ديدنُ سابِقِيه ممَّنْ ألَّفَ في الفروق الاهتمامَ بتتبُّع الفروق بين الفروع والجزئيّات، لا القواعد والكليّات.
وفي الفصل الثّالث من الباب الأوّل ألقَيْتُ نظرةً عجلى على ما خُلِّفَ من تراثٍ فروقيّ بعد القرافيّ، وما يمكن أن يُرْصَدَ من تأثُّر بعضِهِ بما تَرَكَ القرافيّ،