أ. أنَّ الباعث الرئيسَ على تأليف مُعْظَم كتبه كان الهاجسَ الفروقيَّ، الذي غدا إلحاحًا منهجيَّا في شخصيَّتِهِ العلميّة على التمييز بين المتشابهات، والتفريق بين المتداخلات في مختلِفِ حقول المعرفة الإنسانيّة.
وقد تنوَّعت مظاهرُ الإفصاح عن هذا الهاجس الفروقيّ بتنوّع موضوعات الكتب، وتفاوتَتْ ملامحُ معالجتِهِ بتفاوت انتماء تلك الكتب إلى علومها وانتسابها إليها؛ فقد ظهر تارةً في مظهر مَيْز الباطل من الحقّ في العقيدة وعَزْله عنه، كما في كتاب (الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة) ، وتجلّى تارةً في صورة موازَنَة بينَ بعض المفاهيم والقواعد الأُصوليّة، والفقهيّة، واللّغويّة المشتَبِهِ بعضُها ببعضٍ، كما في: (الإحكام) ، و (أنوار البروق) ، و (العِقْد المنظوم) ، وأفصحَ عن نفسه تارةً أخرى في هيئة مقابَلَةٍ بين مجموعة من المفاهيم والسلوكيّات المبنيّة على الفروق بين مجموعة من الألفاظ، كما في كتاب (الأُمنيَّة) .
ولم يتركْنا القرافيّ في حَيرةٍ من أمرنا، لنستنبط الباعث استنباطًا مبنيًّا على الحَدْس والتخمين، بل صَرَّحَ به هو نفسُهُ في فواتح معظم كتبه، وهذه سِمَة امتاز بها بعضُ سلفِنا، مُسَجِّلينَ بذلك سبقًا منهجيًّا؛ فقد أصبح الآنَ «سببُ اختيار الموضوع أمرًا مطلوبًا في البحوث والرسائل الجامعيّة؛ فيذكر الباحثُ السببَ والدافِعَ لاختيار موضوعه» [1] .
ويزعُمُ البحثُ أنَّهُ أوّل بحثٍ يلتفتُ إلى وَحْدَةِ الباعث على التأليف عند القرافيّ في معظم كتبه، وهي مسألة يمكن أن تكوِّنَ نواةَ وَحْدَةٍ موضوعيَّة منهجيّة مقصودة في تلك الكتب، تَقِلُّ مثيلاتُها في تاريخنا الثقافيّ.
ب. أنَّ الوحدة العضويّة فيما بَحَثَه من الفروق ظهرت متميِّزةً مبدِعةً؛ فقد تَبَدَّتْ في مستويينِ منهجيَّيْنِ طَبَعا معظم بحوثه الفروقيّة بطابعهما؛ وهما:-
1.ارتباطُ الفروع بأصولها؛ فلم تَعُد الفروق اللّغويّة المتناوَلَة تعالَجُ معزولةً عن سياقاتها، على نحو ما كان يُفْعَل في الأعمال التي سَبَقَتْ - ونموذج أبي هلال
(1) دوافع البحث والتأليف عند المسلمينَ: 9.