فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 463

أساسًا إلى التنويه بما كان من دَوْرٍ لشيوخ القرافيّ في صَقْلِ موهبته في مجال الفروق أو فيما يَصُبُّ في ذلك، وبما كان من إسهامٍ لتلاميذه من حيثُ أمُّ بعضِهِم الوِجهةَ السابقة.

وقد ذكَرْتُ ثَمَّةَ أنّني لم أجِدْ في جميع ما وَقَفْتُ عليْهِ من الدراسات مَنْ توقَّفَ عند هذه المسألة، فوفّاها حَظَّها من تقليب النظر وإنعام الفِكْر، على الرَّغمِ من أهمّيّتها، فكان لزامًا عليَّ أن أُجيلَ الطَّرْفَ فيها، لأرصدَ مراحلَ تَنَقُّلِ (الفكر الفُرُوقيّ) - إن صَحَّ التعبير - وتطوّرِهِ عند القرافيّ.

وفي الفصل الأوّل من الباب الأوّل استقريْتُ أهَمَّ ما كان سائدًا قبلَ القرافيّ من الجهود (الفروقيّة) في علوم اللُّغة المختلفة، مسلِّطًا الضوء على المناهج التي حَكَمَت تلك الجهود؛ إذْ بتَعَرُّف المناهج تصبح السبيلُ مُمَهَّدَةً للموازنة بينها وبين ما أتى به القرافيّ.

ورمَيْتُ في الفصل الثاني من الباب الأوّل إلى إظهار ما للقرافيّ من تميُّز في طرائق تناوله الفروقَ في اللُّغة، مُتَوَقِّفًا عند ما وَصَل إليَّ من كتبه، لإثبات أنَّ المحور الذي يدور حولَهُ معظمُها ويَسْبَحُ في فَلَكِهِ جُلُّها هو قضيّة الفروق عامَّةً، سواءٌ أتعلَّقَتْ بالعقيدة وعلم الكلام، أم بأصول الفقه، أم بالفقه، أم بعلوم اللُّغة المختلفة. وهذا - في ظَنّي - أمر مُهمٌّ جدًّا، لابُدَّ من توفيتِهِ حقَّهُ من النظر؛ إذ إنَّهُ يُسْهمُ إسهامًا كبيرًا في تعضيد الفكرة الرئيسة للبحث، وهي إثبات أنَّ دراسة الفروق عند القرافيّ مَثَّلَتْ - كما لم تُمَثِّلْ عند غيره - هَمَّا شاغلًا، ورؤيةً للأشياء والوجود. ويزعُمُ البحثُ أنَّهُ أوَّلُ من التفَتَ إلى هذه النقطة، التي يمكن لها أن تُؤَسّسَ نواةَ وحدةٍ موضوعيَّةٍ منهجيّةٍ في كتب القرافيّ، ليسَ لها مثيلٌ يُذْكَرُ في تاريخنا الثقافيّ العربيّ والإسلاميّ.

وأظْهَرَ البحثُ في هذا الفصل أنَّ تميُّزَ القرافيّ في دراسة الفروق بلْوَرَ منهجيّةً واضحةَ المعالم، باديةَ القَسَمات، يُمكِنُ المتتبِّعَ المتأنِّيَ أن يَسْتَكْنِهَ الكثيرَ من معالمها؛ ومن أهمِّها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت