الذّات» [1] ، فإقرارُهُ بالاشتراك هنا إقرارٌ بالتّرادف بين النفس والرّوح من جهة، والنفس والذات من جهة أخرى [2] .
وقد يَلوح - أوَّل وَهْلة - أنَّ ثمّةَ تناقضًا وَقَعَ فيه أبو هلال، ولكنَّ النّظرَ المتأنّي يَقِفُنا على حقيقة موقفه، وهو أنَّهُ كان يفرق بين التّرادف الكامل، وشِبْه التّرادف؛ فأنكر الأوَّل، وأقَرَّ بالثاني. ولا يُعَدُّ ذلك - في رأيّي - تناقضًا بين إثباتٍ وإنكار، وإنّما هي النّظرةُ الموضوعيّة تَدرُسُ الظّاهرةَ بمختلف مستوياتها. وكذا كان شان الكثير من المنكرينَ للترادف؛ فَهُم - ناظرينَ إلى الموضوع نظرةً تاريخيّة - أنكروا التّرادف الكامل بين اللَّفظين بما يحملانِهِ من معنًى عامّ ومعان فرعيّة خاصّةٍ ربما ساعَدَ الاشتقاقُ وعللُ التسميّة على كشفها، أمَّا أن يجتمع اللفظان على معنًى عامّ، أو معنيينِ متقاربينِ أو متداخِلَينِ لا يُكْتَرَثُ للدقّة الدّلاليّة بينهما في التخاطب، فلم يُنْكِروا ذلك. فهم قد فرقوا بين مستويينِ في استخدام اللُّغة: مستوى الدقّة الدّلاليّة، ومستوى التخاطب العامّ الذي يقتضي المعنى بعبارة، وربما بإشارة؛ لأنَّ العبارة هنا لا تدقيقَ فيها ولا تمحيصَ، وإنّما المهم فيها أن تَحملَ الفكرةَ العامّة وكفى [3] .
والدّليل على هذا الفهم: ما استطرد فيه أبو هلال العسكريّ (400هـ) من الكلام عند حديثه عن أنَّ اختلاف العبارات والأسماء يوجب اختلافَ المعاني، قائلًا: «ولعلّ قائلًا يقول: إنَّ امتناعك من أن يكون للّفظينِ المختلفينِ معنًى واحد، رَدٌّ على جميع أهل اللُّغة؛ لأنَّهم إذا أرادوا أن يفسِّروا اللُّبَّ قالوا: هو العقل ... ، وهذا يدلّ على أنَّ اللّبّ والعقل عندهم سواء ... قلنا: ونحن أيضًا كذلك نقول؛ إلاّ أنّا نذهب إلى أنَّ قولنا: (اللّبّ) وإن كان هو (العقل) ، فإنَّهُ يفيد خلاف ما يفيدُ قولنا: (العقل) ، وكذلك جميع ما في هذا الباب» [4] . فتفسير (اللبّ) بـ (العقل) صحيح عند أبي هلال، كما كان تفسير (قَدِمْنا) بـ (عَمَدْنا) صحيحًا عند الرّمّانيّ، لتقريب المعنى في التخاطب العامّ؛ إذ لا يخفى ما بين تلك الألفاظ من تطابق في قسم كبير من الدّلالة، أمَّا أن
(1) الفروق اللّغويّة: 119.
(2) ينظر: التّرادف في القرآن الكريم: 51.
(3) ينظر: التّرادف في القرآن الكريم: 52.
(4) الفروق اللّغويّة: 36 - 37.