عقده لتراكيبَ تبدو متشابهةَ الدّلالة العامّة، وهي: «أنَّهُ يصيبُ المِفْصَلَ، ويُقَرِّبُ البعيدَ، ويُظْهِرُ الخافي، ويبينُ الملتبسَ، ويُخَلِّصُ المُشْكل» [1] .
وممّا يَزيد موقفَ الرّمّانيّ من التّرادف والفروق وضوحًا: قولُهُ في رسالته (النّكت في إعجاز القران) : «قال اللهُ - عز وجل: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} (الفرقان: 23) ، حقيقةُ (قَدِمْنا) هنا: عَمَدْنا، و (قَدِمْنا) أبلغ منه؛ لأنَّه يدلّ على أنَّهُ عامَلَهُم معاملةَ القادم من سَفَر، لأنَّه من أجْل إمهالِه لهم كمعاملة الغائب عنهم، ثم قَدِمَ فرآهم على خلاف ما أمَرَهُم ... والمعنى الذي يجمعهما: العَدْل؛ لأنَّ العمد إلى إبطال الفاسد عَدْل، والقدوم أبلغ» [2] . فهو هنا فَسَّرَ (قَدِمْنا) بـ (عَمَدْنا) ، ثم فرقَ بينهما بأنَّ الأوَّل أبلغ، لأسباب بلاغيّة ذكرها، ثم أتى بلفظٍ يَرَى أنَّهُ يجمع بينهما، وهو العَدْل، وهذا كلّه يؤيد الفهمَ السّابقَ لموقف الرّمّانيّ من التّرادف والفروق.
وفي الجانب الآخر من الموضوع علماءُ اشتهروا بنسبتهم إلى القول بالفروق وإنكار التّرادف، يَظْهَرُ عند تأمل مواقفهم متكاملةً غيرَ مُجْتَزَأةٍ أنَّهُ لم يُحَرَّر المقصودُ بمصطلح (الفروق) عندهم بدقّة.
فمن أشهر مَنْ عُرِفَ بتبنّي منهج الفروق اللفظيّة والتّأليف فيها: أبو هلال العسكريّ (400هـ) ، ومُصنَّفَهُ (الفروق اللّغويّة) أشْهَرُ مِن نار على عَلَم في هذا المجال، وهو - مع ذلك - كان قد ألَّفَ كتابًا عنوانه (أسماء بقايا الأشياء) ، فَسَّرَ فيه الكثير من الألفاظ بألفاظٍ أُخرى، كما في قوله: «الحُشاشَةُ: بقيّةُ النَّفْسِ» [3] ، و: «الذَّماء: بقيّة النَّفْسِ» [4] ، و «الشِّرذِمَة: بقيّة من الشيء» [5] ، وغير ذلك ممّا يُشْعِر بالقول بالتّرادف. بَلْ - أكثر من ذلك - إنَّ أبا هلال لم يَنْجُ من ذِكْرِ مترادفات في فروقه نفسها؛ إذ قال - مثلًا: «ولفظ (النَّفْسِ) مشترك؛ يقع على الرّوح وعلى
(1) الألفاظ المترادفة المتقاربة المعنى: 87.
(2) النّكت في إعجاز القرآن: 86 - 87.
(3) أسماء بقايا الأشياء: 40.
(4) أسماء بقايا الأشياء: 45.
(5) أسماء بقايا الأشياء: 51.