فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 463

إذا كان النّحو قد عُرِّفَ بأنَّهُ «عِلمٌ بمقاييس مستنْبَطةٍ من استقراءِ كلام العَرَب» [1] ، فإنَّ قواعد النّحو هي قوانين لغويّة تنطلقُ مِنْ (هكذا قالت العرب) ، وتَقفُ عندَ (هذا لم تَقُلْهُ العربُ) [2] ، فهدفُها: انتحاءُ كلام العربِ، والقَصْدُ إلى طريقَتِهم في التعبير، وتقويمُ اللسان ليستقيمَ به الكلام، ويَبْرَأَ من مجانبةِ سنن العربيّة وأساليبها [3] .

وقواعدُ النّحو خصائصُ تتميزُ بها الكلمةُ بوجودِها في التّركيب؛ فهي قواعدُ لا يتحققُ وجودُها إلا في التّراكيب، بخلاف القواعد الصّرفيّة التي تتحقّق في البنية نفسها. وتتحدّد هذه القواعد باعتماد منهج قائمٍ على أساس تحليل التّراكيب، وتحديد المواقع التي يمكن أن تَظْهَرَ فيها تلك الأبنية؛ فالقواعد النّحويّة التي حَصَرَها النّحاة ترجعُ في مجملها إلى اعتبار الموقع النّحويّ الذي تَظْهُرَ فيه الكلمةُ، مُمَيِّزًا يميِّزُها من غيرِها من الكلمات التي ترفُضُ ذلك الموقع [4] .

ولم يَحْظَ هذا النوع من الفروق بتصانيفَ مستقلّةٍ كثيرةٍ، كما حَظِيَت الأنواع الأخرى؛ فَمُعْظم ما وُجِدَ منها قبل القرافيّ إنّما كان تفاريقَ مبثوثةً هنا وهناك في كتب النّحو المختلفة، أمَّا التأليف المستقلّ فيها فلم يصل إلينا منه سوى رسالتينِ ليستا بالكبيرتينِ، وهذا أمرٌ يعكس الفراغ الكبير في التّصنيف في هذا الفنّ المهمّ من فنون اللُّغة.

وأُولى هاتيك الرسالتينِ هي (رسالةٌ في الفَرْقِ بين النّعت والبَدَل وعَطف البيان) ، لابن السِّيد البَطَلْيوسِيّ (521هـ) . وقد بنى ابن السِّيد رسالته على فكرة رئيسة؛ هي بيان الفَرق بين التّوابع الثلاثة: النعت، والبدل، وعطف البيان، وعَرْض خصائص كلّ منها، والكشف عن معالم التشابه والاختلاف فيما بينَها. أمَّا الإطار العامّ للرسالة، فقد كان بيان أوجُهِ الفرق أوَّلًا بين التوابع الثلاثة، فأوجُهِ الاشتراك بينَها، ثم المواضع التي ينفردُ بها عطفُ البيان [5] .

(1) في أُصول النّحو: 78.

(2) ينظر: الكَفاف: 1/ 17.

(3) ينظر: الفكر البلاغيّ عند النّحويّينَ العرب: 17.

(4) ينظر: دَور البنية الصّرفيّة في وَصف الظاهرة النّحويّة وتقعيدها: 48 - 51.

(5) ينظر: مقدّمة تحقيق رسالة في الفرق بين النّعت والبَدَل وعطف البيان: 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت