تمتّع القرافيّ بشخصيّة علميّة متوازنة غير مغالية، ومن مظاهِرِ موضوعيّته وعدم تطرّفه في مشربه العلميّ: موقفُهُ من ظاهرة الفروق بين الألفاظ أو ترادُفها؛ فعلى الرّغم من أنَّ قضيّة البحث عن الفروق بين المتشابهات كانت ظاهرةً منهجيّة طاغية في معظم مؤلَّفاته، لم يَمْنَعْه ذلك من تبنّي موقف معتدل تجاه ظاهرة ترادف الألفاظ.
ونستطيع أن نلمس هذا الاعتدال في تعريف القرافيّ للألفاظ المترادفة بأنَّها: «الألفاظ الكثيرة لمعنًى واحد؛ كالقَمح، والبُرّ، والحِنطة» [1] ؛ إذ يُلْمَحُ من هذا التعريفِ السهلِ العبارةِ توسيعُ دائرة التّرادف [2] . ويُلْمَحُ هذا الموقفُ أيضًا في موضعٍ آخَرَ، ذَكَرَ فيه أنَّهُ يجوز أن تُعْطَفَ المترادفاتُ بعضُها على بعض؛ فقال: «الأسماء المترادفة: كقوله تعالى: {إنّما أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} (يوسف: 86) ، والحزن هو البث ... وكذلك يجوز أن تقول: أعْطِهِ بُرًّا وحنطةً. وتعطفُ الشّيءَ على نفسه إذا اختلف اللّفظ، كذلك نَصَّ عليه النّحاة.» [3] .
وقد يلوحُ لنا - باديَ الرأي - أنَّ القرافيّ من المُقرِّينَ بالتّرادف مطلقًا، ومن غير تفصيلٍ، بسببِ ما سبَقَ ذِكْرُهُ عنه، غيرَ أنّنا لو يمَّمْنا وجوهَنا شَطْرَ أقوالِهِ الأُخرى، لوجدناه يُفَصِّلُ القول في هذه المسألة تفصيلًا يُزيلُ اللبسَ، ويَدْفَعُ الوَهمَ.
فعندما اتَّهمَ الفخرُ الرّازيّ (606هـ) [4] من سَمّاهُمُ الاشتقاقيينَ - وهم القائلون بالفروق المبنيّة على الاشتقاق بينَ ما يُدَّعى ترادفُهُ من الألفاظ - بالتعسُّف في دَفْعِ
(1) شرح تنقيح الفصول: 31.
(2) ينظر: الفروق اللّغويّة وأثرُها في تفسير القرآن الكريم: 124.
(3) أنوار البروق في أنواء الفروق: 3/ 800.
(4) هو محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين بن عليّ، أبو عبد الله القرشيّ البكريّ التيميّ الطبرستانيّ الأصل، الرّازيّ، ابن خطيب الرّي، الشافعيّ، المفسّر، المتكلّم. من أهمّ كتبه: (التّفسير الكبير) ، و (المحصول) ، و (شرح المُفَصّل) . (ينظر: سِيَر أعلام النبلاء: 21/ 500 - 501، و: البداية والنهاية: 13/ 60 - 61، و: موسوعة أعلام الفكر الإسلاميّ: 793 - 794) .