التّرادف بما لا يَشْهَدُ بصحتِهِ عقل ولا نَقل [1] ، رَدَّ القرافيّ قولَهُ؛ فقال مُبَيِّنًا مذهبَ من يقول بعدم ترادُفِها مستندًا إلى الاشتقاق: «قال المنكرون للترادف: القمح، والبُرُّ، والحنطة متباينةٌ لا مترادفة. والقمحُ اسم صفة، من قولِهِ تعالى: {إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَان فَهُمْ مُقْمَحُونَ} (يس: 8) ، وهذه الحَبَّةُ يحصل فيها تعب في حرثها وحصادها ودراسها وغير ذلك، فسُمِّيَت قمحًا لذلك. والبُرُّ من البِرِّ؛ لأنّها قوام بنية الإنسان. والحنطة اسم الذات» [2] . ثم تعقَّبَ قولَ الرّازيّ: «لا يَشْهَدُ بصحَّتِها عقلٌ ولا نَقْلٌ» [3] بأنَّهُ ممنوع، وأنَّ هذا من قبيل الاشتقاق الأكبر، بحَسَبِ اصطلاحه الخاصّ به على ما سيأتي إيضاحُهُ [4] .
وهذه الألفاظ الثلاثة التي انتصر القرافيّ هنا لعدم ترادُفها هي عَيْنُها التي ذَكَرَها أمثلةً للألفاظ المترادفة في تعريفِهِ الذي سُقناه آنفًا، وهذا يدلّ على أنَّ كلامهُ إنّما هو في مقامَيْنِ مختلفَيْنِ. ولعلّ هذينِ المقامَيْنِ هما أنفُسُهُما اللذان سَبَقَ نَقْلُهُما عن بعض السَّلَف؛ فمقام الإقرار بالتّرادف هو مقام الشرح والتفسير الذي لا تُتَحَرّى فيه الدقّة الدّلاليّة، وإنّما يُكتفى فيه بإيصال الفكرة العامّة، وأمَّا مقامُ القول بالفروق فهو مَقام التدقيقِ والتمحيصِ والبحثِ عن الأُصول الاشتقاقيّة التي تَرجع إليها الألفاظ، والتمييزِ بينَ ما هو اسمُ صفةٍ، وما هو اسمُ ذاتٍ. فالقرافيّ - على هذا - وارث شرعيّ لمنهج الاعتدال في الموقف مِن الفروق، ذلك المنهج الذي اخْتَطَّ بواكيرَهُ أبو هلال العسكريّ (400هـ) من قَبْلُ، على ما فَصَّلْتُ القولَ فيه سابقًا.
ومن المظاهر الأُخرى لاعتدال القرافيّ وعدم غلوّه في إثبات الفروق: عَدَمُ تكلّفِهِ إيرادَ ما يراهُ بعيدًا من وجوه الفروق بين بعض الألفاظ، وتَسليمُهُ - مِنْ ثَمَّ - بترادُفِها وعَدَمِ وجود الفروق بينَها، خلافًا لموقف الكثير من الفروقيّينَ المشغوفينَ باستقصاء الغثِّ والسمينِ منها، وما بَعُدَ وقَرُبَ منها. فقد أقَرَّ القرافيّ بعجزِهِ عن
(1) ينظر: المحصول في علم أُصول الفقه: ج1/ق1/ 350.
(2) نفائس الأُصول في شرح المحصول: 2/ 719 - 720.
(3) المحصول في علم أُصول الفقه: ج1/ق1/ 350.
(4) ينظر: نفائس الأُصول في شرح المحصول: 2/ 721.