فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 463

التوصّل إلى فرقٍ يُذْكَر بينَ كلّ من الهَمِّ والعَزْمِ [1] ، والمشيئةِ والإرادةِ [2] ، والفِعْلِ والإيجاد [3] ، وغير ذلك، مع حِرْصِهِ الشديد على تتبُّع ما صَحَّ من الفروق، وعلى الرّغم من تَوَصُّل بعض العلماء إلى وجوه من الفرقَ بين تلك الكلمات، قريبةٍ غيرِ مُتَكلّفَةٍ، ولكنَّ القرافيّ لم يشأ الخوضَ فيما يراهُ تكلّفًا وتنطّعًا، وهذا إنصاف منه للدرس اللُّغويّ، ووقوف عند حدود ما بَلَغَهُ من العِلْمِ.

ولابُدَّ لي - قبلَ مغادرةِ هذه النقطة من البحث - من الإشارة إلى أنَّ ما سَبَقَ بيانهُ من موقفِ القرافيّ المتوجِّس من إثبات التّرادف التامّ في مستوى الدّلالة الدقيقة بينَ الكثير من الألفاظ، والتماسِهِ الفروقَ بينَها ما استطاعَ إلى ذلك سبيلًا - إنّما ينصرفُ إلى ألفاظ اللُّغة الواحدة، أمَّا اللّغات المختلفة فقد أقَرَّ بإمكان وجود التّرادف التامّ فيها بلا تحفُّظٍ أو تردُّدٍ، مؤيِّدًا في ذلك مَذْهَبَ الرّازيّ (606هـ) الذي ذَكَرَ أنَّ «الأسماء المترادفة إمَّا أن تحصل مِن واضِعٍ أو مِن واضِعَيْنِ؛ أمَّا الأوَّل فيشبه أن يكون هو السَّبب الأقَلِّيَّ. وفيه سببان؛ الأوَّل: التسهيلُ والإقدارُ على الفصاحة؛ لأنَّه قد يمتنع وَزنُ البَيتِ وقافيتُهُ مع بعض أسماء الشيء، ويصحّ مع الاسم الآخر، وربما حَصَلَ رعاية السَّجْعِ، والمقلوبِ، والمُجَنَّس، وسائر أصنافِ البديع، مع بعض أسماء الشيء دون البعض. الثّاني: التَّمكينُ من تأديّة المقصودِ بإحدى العبارتينِ عند نسيان الأُخرى.

وأمَّا الثّاني، فيُشْبِهُ أن يكون هو السَّبب الأكْثَرِيَّ، وهو اصطلاحُ إحدى القبيلتينِ على اسمٍ لشيءٍ غيرِ الذي اصْطَلَحَتِ القبيلةُ الأُخرى عليه، ثم اشتهار الوَضْعَيْنِ بعد ذلك» [4] . ويُشْبِهُ أن يكون كلام الرّازيّ هذا ترجمانا ناطقًا بلسان حال القرافيّ، وتلخيصًا جيدًا لمذهبِهِ في التّرادف؛ فهو يثبتُهُ محدودًا قليلًا في اللُّغة

(1) ينظر: الأُمنيَّة في إدراك النيّة: 9.

(2) ينظر: الأُمنيَّة في إدراك النيّة: 12.

(3) ينظر: الأُمنيَّة في إدراك النيّة: 14.

(4) المحصول في علم أُصول الفقه: ج1/ق1/ 350 - 351، وينظر: نفائس الأُصول في شرح المحصول: 2/ 721 - 722.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت