24.قوله (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) : اختلف أهل العلم في سؤال شيء من أمور الدنيا وهل يدعى بها في الصلاة أو لا يدعى بها في الصلاة, لكن في الحديث ما يدل على عموم أمور الآخرة وأمور الدنيا.
25.عند النسائي (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) : فيه دليل على أن التشهد فرض في الصلاة, وأما التشهد الأول فهو واجب وليس بركن لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما تركه لم يعد إليه بل جبره بسجود السهو, وليس بمندوب فقط لأنه لو كان مندوبًا لما احتيج إلى السجود, وأما التشهد الأخير فيبقى على فرضيته فهو ركن من أركان الصلاة.
26.لأحمد بإسناد ضعيف (أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه التشهد وأمره أن يعلمه الناس) : بهذا يستدل على وجوب التشهد, لكن يغني عنه ما قبله لأنه ضعيف.
27.قال البزار: أصح حديث عندي في التشهد حديث ابن مسعود, يروى عنه من نيِّفٍ وعشرين طريقًا, ولم نعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد أثبت منه ولا أصح إسنادًا ولا أثبت رجالًا ولا أشد تضافرًا بكثرة الأسانيد والطرق. وقال مسلم: إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضًا وغيره قد اختلف عنه أصحابه. وقال الإمام محمد بن يحيى الذهلي: هو أصح ما روي في التشهد. فهو من حيث الإساد أصح, لكن من رجح تشهد ابن عباس قال لأنه مشتمل على زيادات. وتشهد ابن مسعود متفق عليه, وتشهد ابن عباس عند مسلم.
28.حديث فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يدعو في صلاته ولم يحمد الله ولم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال (عجل هذا) ثم دعاه فقال (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بما شاء) : مقتضى صنيع المؤلف رحمه الله في وضعه هذا الحديث بين أحاديث التشهد أن هذا الدعاء كان بعد التشهد وأنه خاص بالتشهد, يعني بعد الثناء على الله عز وجل والتمجيد والتشهد والشهادة والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الأربع ثم يتخير من المسألة ما شاء, وإلا فالنص ليس فيه ما يدل على أنه في التشهد, ولا في شيء من طرقه ما يدل على ذلك. وبعضهم يرى أن الحديث عام في الدعاء داخل الصلاة وخارج الصلاة, فيحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي عليه الصلاة والسلام في أي موضع كان من الصلاة. ومنهم من يرى أن هذا خاص بالدعاء خارج الصلاة وأما في الصلاة فيقتصر فيها على ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام لأنه لم يقل أحد من أهل العلم أنه يثني على الله عز وجل ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في السجود أو بين السجدتين. فهذا إما أن يكون في الصلاة في آخرها كما هو مقتضى صنيع المؤلف, أو يكون في الصلاة التي يراد بها الدعاء بمعناها الأعم كما هو الأصل في الصلاة في اللغة, فقوله (سمع رجلًا يدعو في صلاته) أي يدعو في دعائه, فالصلاة هنا بمعناها الأعم الذي هو مطلق الدعاء.
29.قوله (إذا صلى أحدكم) : الذي يظهر والله أعلم أن المراد بالصلاة هنا مطلق الدعاء, فقوله (إذا صلى أحدكم) أي إذا دعا أحدكم, لأننا لو قلنا إن المراد به الصلاة الشرعية المعروفة فسوف يبدأ بالتحميد قطعًا بقراءة الفاتحة, وأما في التشهد كما هو مقتضى صنيع المؤلف فليس في التشهد حمد, اللهم إلا إذا كان المعنى (إذا أراد أن يتخير من المسألة ما شاء بعد الاستعاذة بالله من الأربع فإنه يبدأ قبل ذلك بحمد الله والثناء عليه والصلاة على نبيه عليه الصلاة والسلام) لكن هذا فيه بعد, لأن الاستعاذة بالله من الأربع دعاء فلتُبدأ بذلك, والدعاء في السجود دعاء فليُبدأ بذلك, والدعاء بين السجدتين دعاء فليُبدأ بذلك, ولم يقل بهذا أحد من أهل العلم, إذًا تحمل الصلاة هنا على مطلق الدعاء, وحينئذ يبدأ بتحميد ربه والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبهذا يقول بعض أهل العلم في دعاء القنوت, يبدأ بتحميد الله والثناء عليه والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام وهو داخل الصلاة لأنه في حكم الدعاء المطلق يُدعَى فيه بما شاء ما لم يكن فيه إثم أو قطيعة رحم أو اعتداء.
30.الجمهور على أن الحمد هو الثناء, والصحيح الذي حققه ابن القيم أن الثناء غير الحمد لحديث (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين, فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين, قال الله عز وجل: حمدني عبدي, وإذا قال: الرحمن الرحيم, قال: أثنى علي عبدي) وهنا يقول (فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه) والأصل في العطف أنه يقتضي المغايرة.