فهرس الكتاب
ولكنه لم يعلم أن الفقه الإسلامي يصرح بأن هناك رأيًا آخر يذهب إلى أن الالتزام ينتقل بالموت، وفي هذا يقول ابن قدامة:"حكى بعض أصحابنا فيمن مات وعليه دين: هل يمنع الدين نقل التركة إلى الورثة؟ روايتان: إحداهما: لا يمنعه، للخبر:"من ترك حقًا أو مالًا فلورثته"، ولأن تعلق الدين بالمال لا يزيل الملك في حق الجاني والراهن والمفلس، فلم يمنع نقله، فإن تصرف الورثة في التركة ببيع أو غيره صح تصرفهم ولزمهم أداء الدين."
والرواية الثانية: منع نقل التركة إليهم"أي: لا تركة إلا بعد سداد الديون".
فالسنهوري رتب هذه النتيجة على مقدمة غير صحيحة، وهي أن الفقه الإسلامي لا يعرف إلا مبدأ"لا تركة إلا بعد سداد الديون"، وهذا غير صحيح، ثم أخضع الفقه الإسلامي لما يخضع له القانون الوضعي من سنة التطور، ونسي أن الفقه الإسلامي يعتمد أصلًا على الوحي، أي: المعجزة، وقد حصلت المعجزة الفقهية -فعلًا- في نزول الوحي بهذا الحديث الصحيح، وهو:"من أحيل بحقه على مليء فليحتل"، فالحوالة جاء بها الشرع، سواء أكان الفقه الإسلامي يرى انتقال الالتزام بسبب الموت أم لا يرى ذلك، والحق أن نزول الحوالة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هي من معجزاته الفقهية، لأن القانون الروماني لم يعرف الحوالة أبدأ، كما لم يعرفها قانون نابليون الصادر في سنة 1804م.
3 -اعتذر السنهوري عن عدم اعتبار الشريعة الإسلامية هي الأساس الأول -الذي ينبني عليه القانون المدني- بعذرٍ واه، فقال:"أما جعل الشريعة الإسلامية هي الأساس الأول الذي ينبني عليه تشريعنا المدني، فلا يزال أمنية من أعز الأماني التي تختلج بها الصدور، وتنطوي عليها الجوانح، ولكن قبل أن تصبح هذه الأمنية حقيقة واقعة، ينبغي أن تقوم نهضة علمية قوية لدراسة الشريعة الإسلامية في ضوء القانون" (الوسيط، للسنهوري: ج1 ص 48 هامش:1)