فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 746

وقد يتعجب البعض عندما يرى الدكتور في مرحلته الثالثة يهتم بالتراث، وهذا ما يناقض مذهبه الوضعي؛ لأن التراث يحتوي على غيبيات كثيرة، فكيف التوفيق؟

أقول: الدكتور لا يجعلنا نحتار في هذا التناقض الظاهري، فهو يعترف -كما سبق- بأنه باقٍ على مذهبه الوضعي حتى في مرحلته الثالثة، وأما عن اهتمامه بالتراث الغيبي ومدى تناقضه مع ما سبق، فيحل هذا الإشكال الأستاذ عبد الباسط سيدا بقوله:"لا يقبل زكي نجيب محمود الماورائية بأي معنى آخر، لأنها حينئذ ستكون بمثابة"أسطورة من أساطير الأولين"، لا تقدم إلى القارئ أي شيء، في الوقت الذي توهمه أن قضاياها قضايا تركيبية كقضايا باقي العلوم."

والأمر الذي لا جدال فيه، هو أن هذه النتيجة لا تعجب العديد من المعجبين بالمذاهب الفلسفية الضخمة -التي يعتبرها الوضعيون المنطقيون ما ورائية فارغة من المعنى- لأنهم يرون أن للقضايا الواردة"في الكتب الميتافيزيقية تأثيرًا في القارئ وتأثيرًا قويًا جدًا في بعض الأحيان، وبناء على ذلك لابد من أنها تعبر عن شيء"

هنا ترى الوضعية المنطقية -ممثلة في زكي نجيب محمود- أن العبارات الماورائية مثلها مثل الشعر الغنائي، إنما تعبر عن مشاعر الإنسان ورغباته، ولا نستطيع أن نحكم عليها بالصدق أو بالكذب، لكنها مع ذلك تختلف عن الشعر الغنائي -في الوقت الذي تتفق معه- من حيث أنها توهم القارئ والسامع بأنها تعبر عن شيء من الأشياء الحسية، في الوقت الذي لا تعبر فيه عن أي شيء من ذلك القبيل، وإنما تعبر فقط"عن الميول الانفعالية أو الإرادية"لأصحابها.

وتنتهي مهمة زكي نجيب محمود الوضعي المنطقي بشأن الماورائية عند هذا الحد، حد إخراجها من دائرة العلم ووضعها في دائرة الفنون، وبعد هذا الحد تترك الماورائية وشأنها، لأن مشاعر الإنسان ورغباته هي من الأمور التي ينبغي أن تراعى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت