الإمام أحمد للقائلين بخلق القرآن وعلى رأسهم الخليفة المأمون وكيف كان إصراره الفريد على موقفه برغم الاضطهاد وقد يمثل هذا الموقف الذروة في جهاد أئمة المسلمين من أجل استقلال حقائق الدين عن آراء الحكام.
لكن الدكتور زكي نجيب محمود بعد سرد هذه القصة أراد أن يستدل بها على أشياء على النقيض التام من كل ما سبق ويقول الدكتور [1] معلقًا على تلك القصة: لا، لم يكن في ساحة الفكر عن الأسلاف"حوار"حر إلا في القليل النادر، وفي مواقف لم تكن بذات خطر كبير على سلطة الحاكم، وكيف يكون والحوار إنما يتم بين أنداد ذوي قامات متقاربة، وأوزان متكافئة؟ أما وساحتنا لا تعرف هذا التكافؤ ولا ذلك التقارب في الأوزان والقامات -اللهم إلا في المبادئ النظرية التي كادت لا تشهد العمل والتطبيق- وكل الذي تعرفه هو أن تعلو فيها نخلة واحدة، أو قلة من نخيل، ليحيط بها كلأ قصير فإذا ما دفعت حرارة التربة ذلك الكلأ أن يرتفع برؤوسه، جُذت رؤوسه لتظل قريبة من مواضع الأقدام .. هذه كانت ساحة الفكر، وتلك هي كائناتها، فهي بطبعها ترفض أن يدور على أرضها حوار إذ لا يكون حوار بين نخيل ونجيل .. وفيم العجب؟ ألسنا قومًا على الفطرة؟ تلك إذن هي سنة الفطرة: فهل ترى -في البحر- حوار الأنداد قائمًا بين الحوت والبلم؟ أم هل ترى -في الفضاء- نقاش الأقران دائرًا بين سباع الطير وبغاثها؟ وهل تجري مفاوضات في الغاب -إلا في الأساطير والحكايات- بين الليوث والغزلان؟
تلك هي فطرة الأحياء والأشياء وظواهر الطبيعة، ونحن قوم على الفطرة فأي عجب إذا سلكنا أنفسنا مع الفطرة فيما فطرها عليه فاطر الأرض والسماء؟""
وما يريد أن يقوله الدكتور هو أن تراثنا الفكري الإسلامي بالكامل كان من صنع الحكام المستبدين وهو بذلك ليس تراثًا مزيفًا فقط وإنما هو تراث معاد
(1) تجديد الفكر.