فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 746

للإنسانية مسوغ لإستبداد من يحكمون ومن يملكون القوة والسلطان. وبالرغم من ندرة هذه المواقف فإن استدلال الدكتور قد تحتمل صحته لو أن الإمام أحمد وافق المأمون على ما يريد، لكن ما بالك وأن ما حدث هو على العكس تمامًا فبرغم ما ذاقه الإمام أحمد من صنوف العذاب إلا أن ذلك لم يثنه عن موقفه المتصلب المستميت، إلا أنه في النفس شيء يجعلها تقلب الأمور رأسًا على عقب وتحاول أن تحيل الليل نهارًا والنهار ليلًا. كما أن الخليفة المأمون عندما فعل ما فعل فإنه لم يكن يفعل هذا طمعًا في دنيا أو رغبة في سلطان يدعوه إلى الاستبداد والإصرار على رأيه وإنما كان يفعل ذلك من وجهة نظره هو دفاعًا عن حقائق الدين كما يراها، فلا داعي للغمز بالخلفاء في كل مناسبة واتهامهم بمجافاة الدين وتنحيه عن حياتهم.

وللدكتور زكي نجيب محمود طريقة ذكية في عرض أفكاره يخلص بها إلى الغرض المنوط منها، فهو عادة يفترض ثلاث وجهات نظر أمام القضية المحورية التي يطرحها يختار أوسطهما فيبدو ذلك أنه نموذج للفكر الوسطي وأنه يتمثل بذلك الرؤية الإسلامية إلى الكون، مع أن الحقيقة فيما يفعل أن وجهات النظر الثلاث التي يطرحها الأولى شبيهة لوجهة النظر الإسلامية والثانية معادية والثالثة متطرفة في معاداتها للإسلام وبذلك فإنه عندما يعطي للقارئ انطباعًا ما بوسطيته باختياره وجهة النظر الثالثة فإنه في الحقيقة قد استطاع بتلك الحيلة أن يوقع به في قبول وجهة النظر التي يبغيها والتي هي في نفس الوقت معادية للإسلام ومناقضة له تمامًا.

ففي مقال له بعنوان (صورة جديدة لأفكار قديمة) [1] يذهب إلى أن هناك ثلاث أفكار تمثل كبرى القضايا بالنسبة للإنسان، وهي فكرته عن إله خلقه وفكرته عن نفسه وفكرته عن الكون الذي يعيش فيه، ثم يتساءل بأي الأفكار ينبغي لإنسان العصر أن يبدأ؟ هل يبدأ من فكرته عن الخالق ودراسة العقيدة الدينية أولًا

(1) نقلًا عن د. عبد الحميد الغزالي: تجديد الثقافة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت