فهرس الكتاب
وبينما اشتهر أهل التخريب العقدي في مصر وسوريا باستخدام مصطلحات (نقد الخطاب الديني) و (نقد الفكر الديني) ، استخدم نظراؤهم المستوطنون في دول الغرب مصطلح: (نقد العقل الإسلامي) .
يُعَرّف أهل التخريب العقدي (العقل الإسلامي) بأنه هذا العقل المتقيد بالوحي أو المعطى المنزل ويقر بأولوية المعطى لأنه إلهي وأن دور العقل ينحصر في خدمة الوحي أي فهم وتفهيم ما ورد فيه من أحكام وتعاليم وإرشاد، ثم الاستنتاج والاستنباط منه، فالعقل تابع وليس بمتبوع اللهم إلا بالقدر الذي يسمح به اجتهاده المصيب بفهم وتفهيم الوحي.
لا يقر أهل التخريب العقدي بذلك ويصبون كل انتقاداتهم على علاقة العقل بالمعطى المنزل وعلى رضاه بأن يبقى دائمًا في الدرجة الثانية أي في حدود الخادم دون أن يجرؤ أبدًا على مبادرة أو سؤال أو تأويل لا يسمح به الوحي المحيط بكل شيء، بينما العقل لا يدرك شيئًا إدراكًا صحيحًا إلا إذا اعتمد على الوحي المبين [1] .
إنه ما عصي الله بشيء إلا أفسده على صاحبه ومن أعظم معصية العقل إعراضه كتاب الله وروحيه فأي فساد أعظم من فساد هذا العقل؟ إن علم الأنبياء وما جاؤوا به عن الله لا يمكن أن يدرك بالعقل ولا يكتسب وإنما هو وحي أوحاه الله إليهم بواسطة الملك أو كلام يكلم به رسوله منه إليه بغير واسطة كما كلم موسى وهذا متفق عليه بين جميع أهل الملل المقرين بالنبوة المصدقين الرسل ولا يخالفهم في ذلك إلا جهلة الفلاسفة وسفلتهم، ولكن أهل التخريب العقدي يريدون أن يعكسوا شرعة الله وحكمته فإن الله سبحانه جعل الوحي إمامًا والعقل مؤتمًا به وجعله حاكمًا والعقل محكومًا عليه ورسولًا والعقل مرسلًا إليه وميزانًا والعقل موزونًا به وقائدًا والعقل منقادًا له، فصاحب الوحي مبعوث وصاحب العقل مبعوث إليه والآتي بالشرع مخصوص بوحي من الله وصاحب العقل مخصوص ببحث عن رأي أو فكرة. الرسول يقول: معي كتاب الله وهم يقولون: معنا العقل. الرسول يقول: معي نور خالق العقل به أهدي وأهتدي ويقول قال الله كذا قال جبريل عن الله كذا وهم يقولون قال فيكو .. قال بيبر بورديو .. قال جاك دريدا .. قال فرانسوا إيوالد .. الخ.
بين العقل والوحي:
إن قضايا العقل تشتمل على العلم والظن والوهم، وقضايا الوحي كلها حق، فأي قضايا مأخوذة عن عقل قاصر عاجز عرضة للخطأ من قضايا مأخوذة عن خالق العقول وواهبها هي كلامه وصفاته [2] (العقل هو المصدر والعامل في كل ما يعبر عن الإنسان ويبلغه بلغة من اللغات وهو المسئول عن عملية تركيب المعاني في إنتاج جميع المنظومات) هكذا يقول أهل التخريب العقدي في دفاعهم
عن (فتنة خلق القرآن) وقد وصل بهم التبجح إلى القول بأنه (لو استمرت المناظرات بين العقل القائل بخلق القرآن والعقل الخادم الخاضع للقرآن غير المخلوق لكان الوضع المعرفي للعقل الإسلامي اليوم على غير ما هو عليه بمعنى أن الفسحة العقلية ما كانت لتصبح ضيقة محدودة تسودها الأرثوذكسية العقائدية المعروفة اليوم) [3] أي انتصار أهل السنة والجماعة الذين يقولون أن القرآن كلام الله تعالى منه بدأ فنزل غير مخلوق ألفاظه ومعانيه عن كلام الله سمعه جبريل من الله والنبي سمعه من
(1) محمد أركون مرجع سابق ص 15.
(2) ابن القيم (بتصرف) مرجع سابق ص 880، 891.
(3) محمد أركون مرجع سابق ص 15.