فهرس الكتاب

الصفحة 667 من 746

فكان الواجب على هذا الإنسان أن يشكر ربه على هذا التكريم وهذه النعم الكثيرة، فيتبع رسله، ويطيع أوامره، ويجتنب نواهيه، ويوحده حق توحيده، ويقوم بعبادته -سبحانه وتعالى-.

فأما إذا لم يفعل هذا واختار الكفر على الإيمان والمعصية على الطاعة، فإن هذا التكريم للنوع الإنساني ليس بنافعه، لأنه سيكون من المهانين عند الله تعالى عندما بدل نعمته كفرًا.

ومثال هذا -ولله المثل الأعلى-: أن يقوم ملك من الملوك بتكريم بعض عبيدة وإعطائهم ما يحتاجونه في معيشتهم ويميزهم على غيرهم من عبيدة الآخرين ثم يطلب منهم أن يعملوا له عملًا من الأعمال جزاء هذا التكريم، فبعضهم لم يقم بهذا العمل بل عصى الملك وخالف أمره، فما ظنكم؟ هل يساوي الملك بين الطائفتين: العاملة والمقصرة!؟ أم يقول لمن عصاه بأنني نعم قد كرمتكم وفضلتكم على غيركم ولكنكم لم تراعوا هذه النعمة، بل استخدمتموها في معصيتي ومخالفة أمري، فلهذا ليس لكم عندي إلا الإهانة وعدم مساواتكم بالطائعين!؟

فهكذا الإنسان كرَّمه الله وفضله على كثير من خلقه، ثم طلب منه اتباع أمره واجتناب نهيه، فإن أجاب بقي على تكريمه السابق، وإن لم يجب انقلب ذاك التكريم إلى مهانة.

وقد اختلفت أقوال المفسرين في هذا (التكريم) ما هو؟ فقال ابن جرير الطبري:" (ولقد كرَّمنا بني آدم) بتسليطنا إياهم على غيرهم من الخلق، وتسخيرنا سائر الخلق لهم" [1] ،" (وفضّلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلًا) ذُكر لنا أن ذلك تمكنهم من العمل بأيديهم، وأخذ الأطعمة والأشربة بها، ورفعها بها إلى أقواهم، وذلك غير متيسر لغيرهم من الخلق [2] ."

(1) تفسير الطبري (8/ 115) .

(2) تفسير الطبري (8/ 115) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت