فهرس الكتاب
ومبعث فتنة وتفرق بين المسلمين، فنراه يقول:"والحق أننا لا نستريح البتة لهذا التعبير -الحاكمية-" [1] . ويقول أيضًا:"والحق أن شعار (لا حكم إلا لله) منذ رفعه الخوارج في وجه علي -رضي الله عنه- إلى يومنا هذا كان مبعث فتنة وباب فوضى ومدخل تشرذم وتفرقة بين المسلمين" [2] .
ويعتقد أبو المجد بطلان قول العلماء:"إنه لا مدخل للعقل في التشريع، لأن الحكم لله وحده وحق التشريع لا يملكه أحد سواه؛ دخولًا في طاعته واعتزازًا بحاكميته" [3] ، ويدعو -في اتجاهه التحديثي- إلى"توسيع دائرة العقل والإفساح له ليؤدي دوره في ميدان التشريع" [4] ، وذلك على النحو التالي:
1 -التوسع في فتح باب الاجتهاد، وعدم الاقتصار فيه على الفروع فحسب، بل والأصول أيضًا، حيث يقول:"والاجتهاد الذي نحتاج إليه اليوم ويحتاج إليه المسلمون، ليس اجتهادًا في الفروع وحدها، وإنما هو اجتهاد في الأصول كذلك، وكم من مسألة تواجه المسلمين اليوم فإذا بحثوها وأعملوا الجهد طلبًا لحكم الإسلام فيها أفضى بهم بحثهم إلى وقفة مع الأصول" [5] .
2 -الاعتماد على مقاصد الشريعة دون نصوصها، فهو ممن يرون"أن الشريعة مقاصد قبل أن تكون نصوصًا، وأن تكاليفها كلها ترجع إلى تحقيق مقاصدها، وأنها ليست إلا أمارات ودلائل على تحقيق تلك المقاصد في حالات جزئية هي ما جاءت به النصوص" [6] ، وأن التعويل في الأحكام الشرعية إنما هو على تحقيق المصالح، فالمصالح -في نظره- غاية التشريع وأساس العلة التي يرتبط بها كل حكم شرعي، فإذا زال هذا الأساس أو تغيَّرت تلك الغاية معها الحكم الشرعي. ولذا نجده يعيب على المسلمين المحافظين على دينهم احتياطهم في الأخذ بالمصالح، وقيامهم بربطها بالنصوص الشرعية مما يؤدي -في نظره- إلى إلغاء دورها بوصفها مصدرًا مستقلًا من مصادر الأحكام [7] .
3 -رَبْط الأحكام الشرعية بأسباب نزولها، ونَسْف قاعدة (أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) ، فنراه يقول:"والنصوص في تطبيقها على الوقائع لابد أن يُحدد معناها لغة واصطلاحًا، وأن يُعرف سبب نزولها وظروف تطبيقها، إذ هي لا تنفك عن ذلك كله أبدًا. ومهما قال الأصوليون من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فهذا أيضًا لا يؤخذ بغير مناقشة، فكم فعلٍ للنبي صلى الله عليه وسلم -وأفعاله صلى الله عليه وسلم نوع من السنن- جاء مرتبطًا بإطار موضوعي معين معالجًا لظروف قائمة وثابتة وعارضة، ومن هنا لا يستغني مجتهد عن معرفة ذلك كله والتأمل فيه" [8] . ويقول أيضًا متحدثًا عن تغير الأحكام بتغير الزمان:"هذا أدق أبواب الاجتهاد وأصعبها وأقربها إلى مواطئ الزلل، والحجة الرئيسية التي يثيرها الرافضون لهذا الباب جملة أنه لا نسخ في الأحكام بعد انقطاع الوحي بانتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وأن التغيير -بعد عهد النبوة- لا يمكن إلا أن يكون تغييرًا في الفتيا أو القضاء أي في الاجتهاد، والواقع أن الفارق بين الأمرين لا يظهر إلا حيث يكون في الأمر نص قرآني أو نبوي لا يحتمل التأويل، ولكن تقوم القرينة على ارتباطه بواقعه معينة هي سبب نزوله"
(1) المرجع السابق ص 127.
(2) المرجع السابق ص 136.
(3) المرجع السابق ص 34.
(4) المرجع السابق ص 19.
(5) المرجع السابق ص 35.
(6) المرجع السابق ص 18.
(7) انظر: المرجع السابق ص 47.
(8) مقال (مواجهة مع عناصر الجمود) ص 19.