الصفحة 23 من 26

وقال قبل ذلك:"أبو محمد بن حزم من بحور العلوم، له اختيارات كثيرة حسنة، وافق فيها غيره من الأئمة، وله اختيارات انفرد بها في الأصول والفروع، وجميع ما انفرد به خطأ، وهو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث وتضعيفه". (1)

قلت: فتبين من هذا أنهم آخذوه على:

1 -مخالفته لاعتقاد السلف في مسائل.

وأقول: هذه المصيبة الكبيرة، والحرقة في القلب، ولست أدري كيف غفل هذا الإمام المحدث المادح لطريقة أهل الحديث عن منهجهم ؟.

ولكن الكمال لله تعالى، وقد رأيت كلام الأئمة في الرجل، فما ضللوه ولا بدعوه وإن كان قد وقع في بدع عظيمة ووافق الجهمية في أمور، لكنّه لما كان مجتهدًا معظّما للسنة وأهلها كان معذورًا، إن شاء الله، والله يغفر له بحسناته وحبه للحق ونصرته لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ويكفر عنه بمحنته التي أصيب بها.

2 -أما عنفه في الرد.

فقال جدي، سلمه الله:"وابن حزم مواطن أندلس، والإنسان ابن بيئته بالطبع كما يقول ابن خلدون، فالأندلسيون كالمغاربة اعترفوا من قديم: بأن في طباعهم وفي خلقهم شكاسة، فإذا أرادوا أن يصفوا لطيفًا من بينهم، وادع النفس سمحها قالوا: هو على رقة أهل المشرق".

ثم قال:"نعم - حدة ابن حزم سليمة الطوية، طيبة العاقبة، وهي منه صلابة في الدين، وغيرة على الحق سرعان ما يرجع بعدها ويفيء إلى الموادعة والمؤانسة فأبو حنيفة ومالك والشافعي عم عنده - كما عند الناس- أئمة هدى وخير مجتهدون مأجورون على أي حال ناصحون للإسلام والمسلمين يدعو لهم برحمة الله ورضوان".

ثم نقل عنه ما يدل على ذلك.

ويرجع محمد أبو زهرة حدة ابن حزم لسببين:

الظلم الذي وقع عليه وعدم إعطائه حقه في المجتمع، مع سعة علمه.

ما ذكره هو نفسه في"مداواة النفوس"من أنه مرض بربو في الطحال شديد مما جعله ضيق الخاطر ضجرًا، حتى إنه نفسه أنكر تبدل خلقه.

(1) -"طبقات علماء الحديث" (2/349) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت