فهرس الكتاب
فيا أيها الاخوة الكرام، مر معنا في خطبة ماضية حديث عن تكريم الإسلام للمرأة، كيف أنها عاشت تتفيأ نعمة الله عليها بالإسلام فغدت مصونة مكرمة، وأمست جبال الخوف أمنا، ولباس الذل عزا، فأصبحت المرأة في الإسلام لها وزنها وكيانها، إنها لم تكتف بتربية أولادها وحفظ زوجها، بل أصبحت تحمل هم الإسلام وتشارك في نصرة الإسلام والمسلمين، ووقودا يحمل الرجال إلى المعالي، ومساهمة في صناعة الحياة والمجد لأمتها، هذا البطل عبد الله بن الزبير يقاتله الحجاج في المسجد الحرام وينصب المجانيق على الكعبة، ويتساقط أنصار عبد الله بن الزبير واحدا تلو الآخر، ويقل عددهم، فيشعر بحرج في موقفه، ويلفت يمينا ويسارًا فلا يجد من أعوانه أحدا، فينطلق إلى أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ويقول: (يا أماه خذلني الناس حتى أهلي وولدي، ولم يبق معي إلا اليسير، ومن لا دفع له أكثر من صبر ساعة من النهار، وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا، فما رأيك) . استمع إلى إجابة هذه الأم العظيمة: (الله الله يا بني، إن كنت تعلم أنك على حق تدعو إليه فامضي عليه، ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية فليعبوا بك، وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت إني كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي فليس هذا فعل الأحرار ولا من فيه خير، كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن ما يقع بك يا ابن الزبير، والله لضربة بالسيف في عزّ أحب إلي من ضربة بالسوط في ذل) ، فقال يا أماه أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني، قالت: (يا بني إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك واستعن بالله) ؟