لم أجد عند العلماء المتقدمين كما أسلفت ما يشير إلى ذلك صراحة، وأما المتأخرون فهم على قولين اثنين لا ثالث لهما، الأول الحرمة وأدلتهم عموم النصوص التي تحرم قتل النفس وإزهاقها، والقول الثاني الجواز للأدلة التي سوف أتناولها الآن بل يمكن أن يقال بالوجوب أو الأفضلية، لما يلي:
أولًا: ليعلم أن حماية الدين وأهله أعظم ما يقوم به المجاهد لإعلاء كلمة الله، ولقد جاءنا مالا يدع مجالًا للشك، بجواز بل فضل فداء المجاهد لدينه وإخوانه بنفسه كما مر معنا، إلا أنني أضيف إلى ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد احتمى ... بالصحابة يوم أحد ولم ينكر ذلك، ولم يدل دليل على خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الفعل، ففي قصة حماية أبي دجانة للرسول - صلى الله عليه وسلم - بنفسه ليكون ترسًا له من النبل كما في البداية والنهاية لابن كثير، وقول أبي طلحة للرسول صلى الله عليه وسلم: نحري دون نحرك كما في الصحيحين وغيرهما، وكان يقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحره ويتطاول في ذلك، بل دافع عنه حتى شلت يده التي وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل هذا يفيد مشروعية فداء الأشخاص بالأنفس إذا كان يحدث من قتلهم ضرر على المسلمين أو الدين، بل بوَّب ابن حبان في صحيحه على حادثة أبي طلحة وقوله (نحري دون نحرك الفداء) بابًا فقال: (باب طاعة الإمام) ثم قال: ذكر الإباحة للمرء أن يفدي إمامه بنفسه، ثم ذكر حادثة طلحة - رضي الله عنه - نحري دون نحرك يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ثانيًا: روى أحمد في مسنده 1/ 310 عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت علي رائحة طيبة ... فقلت: يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها قال: قلت ما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدري من يدها فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا ولكن ربي ورب أبيك الله قالت: أخبره بذلك قالت نعم: فأخبرته فدعاها، فقال: يا فلانة وإن لك ربًّا غيري؟ قالت نعم ربي وربك الله، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت - أي قدر كبير -، ثم أمر بها أن تُلقى هي وأولادها فيها، قالت له: إن لي إليك حاجة قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من