الصفحة 34 من 49

الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس آمنّا برب الغلام، آمنّا برب الغلام، آمنّا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فخدت وأضرمت النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، أو قيل له اقتحم، ففعلوا حتى أتوا على امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام يا أمّه اصبري إنك على الحق).

وفي هذا الحديث دلالة على أن الغلام عندما أمر بقتل نفسه فداءً للدين أن ذلك أمر مشروع ولم يسم منتحرًا، وهنا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر أ. هـ

ومما يعلم أن مذهب الحنابلة والأظهر عند الشافعية وهو رواية عند الحنفية وصححها القدوري وهي رواية مرجوحة في مذهب مالك أن من أمر بقتل نفسه بلا سبب مشروع فهو منتحر، ولم يُعدَّ الغلام منتحرًا لأن فعله بقصد إعزاز الدين، حيث ما وجدنا على وجه الأرض إلا من أجل عبادة الله ولو كان أمر الغلام أمرًا مجردًا عن مصلحة الدين لما جاز، بل من العبث الذي سيؤاخذ عليه.

والغلام أيضًا لم يوح إليه بفعله ذلك، ولم يكن يعلم النتيجة لفعله مسبقًا، وهذا في نظري القاصر من أقوى الأدلة على جواز مسألتنا آنفة الذكر، بل من فعلَ ذلك فهو من الشهداء بمشيئة الله تعالى، ويظهر هذا في تعريف العلماء للشهيد الذي سيأتي بعد قليل

عاشرًا: من المقرر عند أهل العلم قاطبة دون استثناء، أن ليس للمسلم استبقاء نفسه بقتل غيره من المؤمنين [1] بحال من الأحوال، فكيف من استبقى نفسه بقتل المئات من

(1) 5 - قيدت بالمؤمنين لأن له قتل المرتد و الكافر ليستبقي نفسه مع الخلاف في المعاهد والمستأمن كما هو مدون في كتب الفقه ومشهور حيث بحثها الفقهاء في المضطر إذا لم يجد ما يأكله إلا طعام كافر معاهد أو مستأمن وهو في نفس ضرورة المؤمن فهل له أكل طعامه المترتب عليه موت الكافر كما بحثوها في السفينة الموشكة على الغرق ولا تنجو غالبًا إلا أن يلقى منها أحد ركابها فمع اتفاقهم في عدم جواز إلقاء المسلم إلا ما نقل عن الدسوقي المالكي عن اللخمي من جواز ذلك بالقرعة، واختلافهم المشهور في الكافر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت