اعتدى فواجب - بنص القرآن - أن يعتدى على المعتدي بمثل ما اعتدى به - فصح قولنا بيقين لا إشكال فيه. وأما إذا لم يعلم بذلك فقد قتله , إذ منعه ما لا حياة له إلا به , فهو قاتل خطأ , فعليه ما على قاتل الخطأ. قال أبو محمد: وهكذا القول , في الجائع , والعاري , ولا فرق - وكل ذلك عدوان , وليس هذا كمن اتبعه سبع فلم يؤوه حتى أكله السبع , لأن السبع هو القاتل له , ولم يمت في جنايتهم , ولا مما تولد من جنايتهم , ولكن لو تركوه فأخذه السبع - وهم قادرون على إنقاذه - فهم قتلة عمد , إذ لم يمت من شيء إلا من فعلهم - وهذا كمن أدخلوه في بيت ومنعوه حتى مات ولا فرق وهذا كله وجه واحد - وبالله تعالى التوفيق. ويمكن أن يستأنس لهذا القول بالحديث الذي ذكره الموصلي في الاختيار ولم يعزه لأحد 4/ 175 (أيما رجل مات ضياعًا بين أقوام أغنياء فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله) هذا بالخصوص وأما بالعموم فما ذكره ابن حزم من القرآن فيه الكفاية.
وأقول: بلا خلاف إن المأسور قادر على إنقاذ المسلمين من القتل بصيانة سرهم وعدم إظهاره، حتى لو أدى ذلك إلى قتله ففي التاج المهذب لأحكام المذهب للصنعاني ما نصه: (فصل) في الفرق بين ضماني المباشرة والتسبيب في جناية الخطأ (و) اعلم أن جناية (المباشر مضمون) على فاعله (وإن لم يتعد فيه) يعني في فعله (فيضمن) المباشر (غريقا أمسكه) يريد إنقاذه فَثَقُلَ عليه وخشي إن تم الإمساك أن يتلفا معا (فأرسله) من يده (لخشية تلفهما) معا وإن كان في الأصل محسنا بإرادة إنقاذه ولما خشي على نفسه أرسله في الماء حتى مات فإنه مباشر في هذه الجناية ولا يجوزله أن يستفدي نفسه بقتل غيره ولهذا وجب الضمان للغريق وذلك بالقود للمرسل له وسواء أرسله بعد أن خرج رأسه من الماء أم قبل ذلك وإن عفا عنه سلم الدية من ماله أو هو مباشر , فإن كان الغريق هو الممسك واستفدى نفسه بالإرسال فلا ضمان فإن هلك الممسك بفتح السين بإمساك الغريق ضمنه من ماله فإن هلك الممسك ونجا الغريق قتل به.
وما أحسن كلام ابن القيم في إعلام الموقعين، عندما قال في الرجل الذي اعترف أنه هو الزانى لما رأى أن غيره سيؤخذ به فقال: وأما سقوط الحد عن المعترف فإذا لم يتسع له نطاق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأحرى أن لا يتسع له نطاق كثير من الفقهاء ,