يجوز قتل المسلم نفسه بنفسه إعلاءً لكلمة الله وحفاظًا على المسلمين من أن يقتلوا أو تنتهك أعراضهم وتستباح بيضتهم، حيث لا يمكن أن نقول بتقديم مصلحة بقاء الواحد على مصلحة بقاء المئات أو درء مفسدة موت الواحد بموت المئات بحال من الأحوال، ولم يأت الإسلام بذلك بل مما جاءت به الشريعة بقواعدها العامة وأمرتنا به أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وكذا لو تعارضت مفسدتان روعي أخطرهما ضرارًا بارتكاب أخفهما ضررًا -قاعدة ارتكاب أخف الضررين - وهذا حاصل في استبقاء المئات بأن يفدي المأسور المسلمين بقتل نفسه {وعجلت إليك رب لترضى} وترك مصلحة بقاء الأسير مقدم على جلب مفسدة قتل المئات من المسلمين واستباحة أعراضهم كما ألمح إلى ذلك فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله [1] .
ثالث عشر: سئل الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى عن ما يلاقيه أهل الجزائر، من المجاهدين، عندما يقعون في الأسر على أيدي الفرنسيون [2] من العذاب والنكال، حتى يعترفوا، ويدلوا على المسلمين، وأسرارهم، فهل لهم أن ينتحروا لكي لا يخبروا بسر المسلمين فكانت الإجابة ما يلي:
[الفرنساويون في هذه السنين تصلبوا في الحرب، ويستعملون (الشرنقات) إذا استولوا على واحد من الجزائريين؛ ليعلمهم بالذخائر والمكامن، ومن يأسرونه قد يكون من الأكابر فيخبرهم أن في المكان الفلاني كذا وكذا.
وهذه الإبرة تسكره إسكارًا مقيدًا، ثم هو مع هذا كلامه ما يختلط، فهو يختص بما يبينه بما كان حقيقة وصدقًا.
جاءنا جزائريون ينتسبون إلى الإسلام يقولون: هل يجوز للإنسان أن ينتحر مخافة أن يضربوه بالشرنقة، ويقول: أموت أنا وأنا شهيد - مع أنهم يعذبونه بأنواع العذاب- فقلنا لهم: إذا كان كما تذكرون فيجوز، ومن دليله (آمنا برب الغلام (وقول بعض أهل العلم: إن السفينة .... إلخ إلا أن فيه التوقف من جهة قتل الإنسان نفسه ومفسدة ذلك [3] أعظم
(1) 7 - فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ج6ص207 - 208 الطبعة الأولى 1399هـ المطابع الحكومية كتاب الجهاد
(2) 8 - صوابه (الفرنسيين) لأنه مضاف إليه، ولكن أثبتها كما جاءت في الكتاب.
(3) 9 - المقصود بقوله (ذلك) أي إفشاء سر المسلمين، وذلك لما يلي من نص الفتوى:
أولًا: قوله (ذلك) اسم إشارة للبعيد أي مفسدة إفشاء السر.
ثانيًا: قوله (هذا) أسم إشارة للقريب ويعود لأقرب مذكور حيث قال: (أعظم من مفسدة هذا) وأقرب مذكور هو قوله (قتل نفسه) .
ثالثًا: قوله القاعدة محكمة أي قاعدة ارتكاب أخف الضررين أو قاعدة المفاسد والمصالح.
رابعًا قوله وهو مقتول ولا بد، أي سواءً قتل نفسه بنفسه حماية للمسلمين من إفشاء سرهم، أو الأعداء قتلوه بعد تعذيبه وإفشاء السر.