الصفحة 43 من 49

والشاهد قول أهل العلم المتفق عليه (إنقاذ المسلم وذلك أولى من إهلاك الكافر) وهذا مما يتفق عليه ذوو الحجا والنهى من المسلمين، فإن قال قائل لا يلزم قلنا له بين لنا الفرق بين المسألتين؟! لأن التفرقة بين المتماثلات بلا دليل من أعسر المشكلات.

سابع عشر: نص الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن من تعين موته بأحد سببين واستويا في السوء، فله أن يتخير بينهما، كمن احترقت سفينته فيه، ولا يحسن السباحة أو كانت الأسماك المفترسة تحته، فلو اختار موته غرقًا، أو احتراقا ًجاز، وإن غلب على ظنه أن أحد السببين أهون من الآخر، فيتبع الأهون وبه قال جمهور الفقهاء، كما في البحر الرائق وبدائع الصنائع وغيرها من كتب الفقه، قال في البحر الرائق: (فإن كان المسلمون في سفينة فاحترقت السفينة , فإن كان غلبة ظنهم أنهم لو ألقوا أنفسهم في البحر تخلصوا بالسباحة يجب عليهم أن يطرحوا أنفسهم في البحر ليتخلصوا من الهلاك القطعي وإن استوى الجانبان إن أقاموا احترقوا , وإن أوقعوا أنفسهم غرقوا فهم بالخيار عند أبي حنيفة وأبي يوسف لاستواء الجانبين وقال محمد لا يجوز أن يلقوا أنفسهم في الماء ; لأنه يكون إهلاكا بفعلهم) ا هـ.

وهذه هي مسألتنا في غالب أحوالها حيث إن صاحب السر مقتول لا محالة أخبر بالسر أو كتمه وهذا حال الحربي المأسور إلا فيما ندر، وهنا له أن يختار أحد السببين في موته على رأي الفقهاء، فما بالك إذا أضفنا أنه اختار السبب الذي فيه صالح الإسلام والمسلمين؟!!

ثامن عشر: ومن الأدلة على جواز مسألتنا بل فضلها، وأن صاحبها ممن يستحق لقب الشهيد بمشيئة الله تعالى، أن لا عبرة بكيفية القتل ولا باليد القاتلة في استحقاق الشهادة حتى نقول إن من قتل نفسه خوف إفشاء الأسرار ليس بشهيد لأنه باشر قتل نفسه، أو قتل في غير ساحة المعركة، لذا سوف آتي الآن بمبحث (الشهيد وتعريفه) لكي أبين أن من قتل نفسه بهذه الصورة أنه شهيد، ثم أبين بعد ذلك أن لا عبرة باليد القاتلة في مسألة الشهادة في سبيل الله، حيث لم يرد في الشرع أن الشهيد من قتل في المعركة مع الأعداء بيد العدو وإلا فلا شهادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت