أضواء البيان عند قوله تعالى {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} قال رحمه الله تعالى: فإعراض كثير من الأقطار عن النظر في كتاب الله وتفهمه والعمل به وبالسنة الثابتة المبينة له؛ من أعظم المناكر وأشنعها، وإن ظن فاعلوه أنهم على هدى.
ولا يخفى على عاقل أن القول بمنع العمل بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - اكتفاءً عنهما بالمذاهب المدونة. وانتفاء الحاجة إلى تعلمها لوجود ما يكفي عنهما من مذاهب الأئمة من أعظم الباطل. وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الصحابة ومخالف لأقوال الأئمة الأربعة. فمرتكبه مخالف لله ولرسوله ولأصحاب رسوله - صلى الله عليه وسلم - جميعًا وللأئمة رحمهم الله كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى ثم قال رحمه الله:
المسألة الأولى:
اعلم أن قول بعض متأخري الأصوليين: إن تدبرَ هذا القرآن العظيم وتفهمه والعمل به. لا يجوز إلا للمجتهدين خاصة. وإن كل من لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق بشروطه المقررة عندهم، التي لم يستند اشتراط كثير منها إلى دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس جلي، ولا أثر عن الصحابة. قول لا مستند له من دليل شرعي أصلًا.
بل الحق الذي لا شك فيه، أن كل من له القدرة من المسلمين. على التعلم والتفهم وإدراك معاني الكتاب والسنة، يجب عليه تعلمهما، والعمل بما علم منهما. أما العمل مع الجهل بما يعمل به منهما، فممنوع إجماعا، وأما ما علمه منهما علمًا صحيحًا ناشئًا عن تعلم صحيح. فله أن يعمل به ولو آيةً واحدة أو حديثًا واحدًا. ومعلومٌ أن هذا الذم والإنكار على من لا [1] يتدبر كتاب الله عام للجميع إلى أن قال: وإذًا فدخول الكفار والمنافقين، في الآيات المذكورة قطعي، ولو كان لا يصح الانتفاع بهدى القرآن إلا لخصوص المجتهدين لما أنكر الله على الكفار عدم تدبرهم كتاب الله وعدم عملهم به .... إلى أن يقول رحمه الله، تنبيه مهم: يجب على كل مسلم، يخاف العرض على ربه يوم القيامة أن يتأمل فيه، ليرى لنفسه المخرج من هذه الورطة العظمى، والطامة الكبرى التي عمت جل بلاد المسلمين من المعمورة، وهي ادعاء الاستغناء عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - استغناءً تامًا في جميع
(1) 2 - هنا سقط [لا] فأثبتها حيث لا يتم المعنى إلا بها