الصفحة 15 من 133

فمنهم من ذهب إلى أنّ الشهيد يموتُ بقتله ثمّ يُحيا في قبره الحياة البرزخية، وهو ما يدلّ عليه حديث جابر في الترمذي وابن ماجه، وفيه ذكرَ أنّ الله أحيا أباه، ولكن الحديث ضعيفٌ ورُوي من وجه آخر عن عائشة عند البيهقيّ وهو غلطٌ، ومنهم من ذهب إلى تأويل معنى الحياة بالذكر الحسن ونحوه، ومنهم من رأى أن الشهيد خصَّ بالذّكر لشرفه وبيان علوّ منزلته دون أن يكون له بذلك اختصاصٌ، وإنّما هو حيٌّ حياةً برزخيةً كسائر الأمواتِ، محتجّين بما في المسند من حديث كعب بن مالك: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة"، والحديث منقطعٌ لا يصحُّ.

والأكثر على الظاهر وهو اختصاص الشهيد بالحياةِ بعد مقتله، وهو ما دلّت عليه الآيات وأكّدته، وجاءت الأحاديث ببيانِه وبيان هيئة الحياة التي يعيشها الشهيد، كما جاءت بأحكامٍ له مبنيةٍ على الحياة يختصُّ بها عن الميّت، من ترك تغسيله وتكفينه والصلاة عليه.

وهذا لا يُنافي قوله عزّ وجلّ: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ) فإنّ النهي في الشهيد عن تسميته ميتًا لا عن القول بأنّه ماتَ، والموتُ مفارقة الروح البدن، وقد وقع للشهيدِ بلا ريب، ولكنّه حيٌّ حياةً من نوعٍ آخرَ أرفعُ من حياة البرزخ، فروحُ الشهيد متّصلةٌ ببدنٍ آخر، وهو أجواف الطير الخضر كما جاء في الحديثِ الذي رواه مسلم من حديث ابن مسعودٍ وغيره أنّ أرواح الشهداء في أجوافِ طيرٍ خضرٍ.

وهذا المعنى هو المتعيّن، بل هو ما فسّر به النبي صلى الله عليه وسلم الآية؛ فقد روى مسلم في صحيحه أن مسروقًا سأل ابن مسعودٍ عن هذه الآية (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) قال أما إنّا سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل .. " الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت