والقول الَّذي قُلناه هو ما دلَّ عليه الكتاب فيما يُفهم من آية البغاةِ، وفي عموماتٍ كثيرةٍ، وما دلت عليه السنة في الحديث المتفق عليه: "وإن جلد ظهرك وأخذ مالك"، وبه فهم الحديثَ عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو راوي الحديثِ، وهو صحابيٌّ، بل من علماء الصحابة وكان غزير العلم كما قال المزِّي في ترجمته من تهذيب الكمال، واشتهرت الواقعة ولم يُنكرها أحد من الصحابة ولا التابعين، وفقهاء الصحابة يومئذٍ متوافرون.
فمن سأل عن سلفٍ في فهم الحديث، فحسبك بعبد الله بن عمرو ومن وافقه من الصحابة والتابعين في ذلك العصر، ومن سأل عن عالمٍ فحسبه عبد الله بن عمرو ومن وافقه من العلماء في وقته.
وأمَّا من لم يُقاتل من الأئمَّة حين سيقوا إلى السجون، فنحن لا نقول إنَّ الاستئسار للكافر محرّمٌ في الأصلِ، فضلًا عن الحاكم الجائر وقتذاك، وإنَّما نقول إنَّ الاستسلام له غير واجبٍ، وقتاله مشروعٌ جائزٌ.
وهذا في السلطان المسلم، أمَّا الطواغيتُ فبابهم غير هذا، وأمرهم مختلفٌ، وقتالهم يدلُّ عليه كلُّ دليلٍ، وتشهد به كلُّ بيّنةٍ، وما ذكرناه هنا لبيان حكم دفع الصائل حين يكون سلطانًا مسلمًا، يوحد الله ويحكّم شريعته، فكيف بالصائل الكافر المرتدّ ردَّةً غليظة؟!
نسأل الله أن ينصرنا على القوم الكافرين، وأن يمكّننا من رقاب المرتدّين، ويجعلنا ممن يرفع راية الدين، وأن يختم لنا بالشهادة في سبيله ابتغاء مرضاته، مقبلين غير مدبرين.
والله أعلم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كتبه عبد الله بن ناصر الرشيد صبيحة الاثنين العشرين من ذي القعدة عام أربعة وعشرين وأربعمائة وألفٍ.