الصفحة 5 من 133

فقد أقرَّهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم على تسميةِ من سمَّوا شهداءَ، وحين أنكرَ عليهِم أنكرَ في حقِّ المُعيَّنِ الَّذي علمَ النّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم منه خلافَ ظاهِرِ حالِهِ، ولذا علَّقَ وعلَّل صلى الله عليه وسلَّم إنكارهُ بأمرٍ مختصٍّ بهذا الغالِّ، لا يشملُ غيرَهُ من المسلمين.

ولو قيلَ بعمومِهِ للنهي عن تسمية كل قتيلِ معركةٍ بالشهيدِ، كان المراد الجزم بذلك المتضمّن إثبات الاسم والحكم الأُخرويَّينِ، بدليلِ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلَّم لمَّا أنكر عليهم ذكر حال الرَّجل في النار.

ولعلّ هذا المعنى هو المقصود من ترجمة البخاري رحمه الله حين قال: باب لا يقول فلانٌ شهيد، قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أعلم بمن يجاهد في سبيله، والله أعلم بمن يُكلم في سبيله"، ثمَّ أسند حديث سهل بن سعدٍ في الرجل الذي كان لا يدع للمشركين شاذَّة ولا فاذَّة إلاَّ اتّبعها يضربها بسيفه، فقال فيه الصَّحابة: ما أجزأ منا اليوم أحدٌ كما أجزأ فلانٌ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: "أما إنَّه من أهل النار" الحديث وفيه قتله نفسه، وفي آخره قول النبي صلى الله عليه وسلَّم: "إنَّ الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار".

فما ذكره البخاريُّ في الترجمة وفي الباب، ليس في شيءٍ منه النهي عن إطلاق اسم الشهيد، وإنَّما النهي عن إطلاق أحكام الآخرة، وما يستلزمها كما ترى، وهذا كما يُقال في اسم الشَّهيد، يُقال في اسم المسلم.

فتلخَّص: أنَّ اسم الشهيد يجوز إطلاقُهُ اسمًا دنيويًّا، كما يُحكم له بجميع أحكام الدنيا، وأمَّا إطلاقُه اسمًا أخرويًّا فإن كان على وجه الجزم فهو المحرَّم الّذي جاءت فيه النصوص، وهو كالشهادة بالجنَّة له، وإن كان على وجه الفأل فالأولى تقييدهُ بالمشيئةِ احترازًا من توهُّم التزكيةِ الممنوعةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت