وأمَّا إذا تعيَّن فرض الجهاد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا طاعة في معصية الله، إنَّما الطاعةُ في المعروف"، ومن معصية الله تركُ الواجبِ المتعيِّن، ومن قال باستئذان الأمير في فرض العين فقد جعل الجهادَ موقوفًا على إذنه فيُترك إن منعَ ويُسلك إن أذِن، وقد نص على هذا الحكم جماعة من أهل العلم، منهم ابن رشدٍ الحفيد فقال:"طاعة الإمام لازمة وإن كان غير عدل ما لم يأمر بمعصية، ومن المعصية النهي عن الجهاد المتعين".
ومنهم من زعم أنَّ الاستئذان في فروض الأعيان واجبٌ إن كانت الفريضةُ مما تفعل جماعةً، بخلاف ما يفعله المسلم وحده، وهذا باطلٌ بالاتفاق، فإنَّ من فروض الأعيان التي تفعل جماعة: الصلوات الخمس، وفي الأدلَّة الآتي ذكرها ما ينقض هذا القول.
والصورتان السابقتان مما يتعين فيه الجهاد لا ينبغي أن يكون فيهما خلافٌ، وليس لهما اختصاص بالجهاد فهما في كل من له ولاية: لا يُطاع إذا أمر بمعصية الله، ولا يُطاع في تعطيل فرائض الله، ولا يُنزل إلى اجتهاده فيما هو متَّهمٌ فيه.
وفيما عدا هاتين الصورتين، فإنَّ استئذان الأمير واجبٌ في الخروج إلى الجهاد، وفي مفارقته بعد الخروج، فإذا منعه الأمير من الجهاد الذي لم يتعيَّن عليه، وجب عليه الامتناع، وإذا خرج مع الأمير في جهاد وأراد أن يذهب أو يخرج لحاجة ولو يسيرةٍ كالاحتطاب ونحوه لم يجز له أن يذهب حتى يستأذنه لقوله تعالى: (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ) وكذلك الاستئذان لترك فرض الكفاية.