واستدلُّوا بحديثِ حنظلةَ بن عامرٍ الغسيلِ رضي الله عنه، وغسيل الملائكةِ لهُ لجنابتِهِ، وذكر الحافظ في الفتحِ جوابًا على هذا: أنَّه لو كان واجبًا لما اكتفى بغسل الملائكةِ لهُ، وهذا مبنيٌّ على أنَّنا مأمورون بالواجبِ، فلا يسقطُ حتَّى نفعله، وعلى أنَّ غسيل الملائكةِ لا يُجزئُ، كما لو مرَّ عليه الماء بلا نيَّة، لأنَّ الملائكة غير متعبَّدين بشريعتنا.
وهذا الجواب غير مستقيمٍ، فإنَّ وجوبَ الغسلِ متعلّقٌ بالميّت لا بآحاد الناس، كما هو الشَّأن في فروض الكفايات، وغسل الملائكة يكفي ولا ريب، لصحَّة النيَّةِ لهم والإرادةِ لهم، ولولا ذلك ما استحقُّوا الحمد على طاعتهم لله، ولا يطعنُ في صحَّة النيَّات والعبادات منهم كونُهُم غير ملتزمين شريعةً من شرائع أنبياء البشر، فإنَّ العبادة تجب عليهم بأمر الله، وما كانوا ليغسلوا حنظلة إلا بأمر الله (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ) ، فصحَّ أنَّ غسلهم كان بأمرٍ من الله، وأنَّه كان امتثالًا منهم، وأنَّ النيَّة موجودة في فعلهم.
والجوابُ أن يُقال: إنَّه لو كان يجبُ غسل الشهيد الجنبِ، لبيّنه النبي صلى الله عليه وسلم في موضعه إذ ذلك موضعُ الحاجةِ، ولوجبَ أن يتبيّن أمرَ كلِّ شهيدٍ، وهذا ما لم يفعله صلى الله عليه وسلم لا قبلَ مقتل حنظلةَ ولا بعدَه، ولا فعله أحدٌ من الصحابة أو التابعين.
ومن استُشهد جنبًا رجونا أن يمُنَّ الله عليه بمثل ما منَّ على حنظلةَ، سواءٌ علمنا أو لم نعلم، أو يطهّره تعالى بما شاء.