الصورة الأولى: أن يكون الغريمُ يريد الجهاد بالمال الذي يطلبه من المدين، فيجب الأداء ولو كان الجهاد فرض عينٍ لتحصيل مصلحتين: مصلحة أداء الدين، ومصلحة الجهاد، قلتُ: ينبغي تقييد ذلك بما إذا كان الغريم لا يستطيع الجهاد إلاَّ بالمال الذي يطالب به، ويدلُّ على ما ذهب إليه شيخ الإسلام أنَّه مالٌ استويا في الحاجة إليه لأجل الجهاد، والغريم أحقُّ به، ولا يصحُّ أن يُقدَّم المدين لمصلحة الجهاد مع اشتراكهما فيه، إلاَّ إن كان بالمسلمين حاجةٌ إلى المدين بخصوصه فهو مقدَّم لحاجة المسلمين ومصلحة الإسلام.
والصورة الثانية: أن يكون الجهاد باستنفار الإمام، فذهب شيخ الإسلام إلى تقديم حقِّ الغريم، لأنَّ الأصل بقاء الدين ووجوب الأداء، وحقُّ الغريم مقدَّم على حقِّ الإمام في الاستنفار، قلت: حقُّ الغريم حق مالك، وحق ولي الأمر حق مَلِك، ولا شكَّ أنَّ الأوَّل مقدَّم ولكنَّ هذا على التسليم بأنَّ الأمر في النفير حقٌّ للإمام، وإنَّما هو حقٌّ لله عز وجلَّ كما في دفع الصائل، وليس للإمام إلا النظر في المصلحة وتقدير الحاجة، والشارع علَّق تعيُّن الجهاد بأمره حين يرى حاجة المسلمين إلى ذلك، فمن هنا كان الاستنفار كدفع الصائل في التقديم على الدين من جهة أنَّه تقديم لحق الله الواجب في حقِّ المعين على حق الغريم، والإمام أعلم بالعدوِّ وحاجة المسلمين وما قد يفجؤهم أو يقطع طريقهم دون العدو الذي يقصدون إليه، فوجب تسليم النظر في ذلك إليه، وأيضًا فقد خرج المسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة وقد تعيَّنت باستنفاره صلى الله عليه وسلم ولم يُعذر أحد ولم يعتذر أحد بالدين.
والصُّور المستثناة من فرض العين ليست مستثناة بإطلاقٍ، بل هي ملحقة بفرض الكفاية في أحكامه، فما سقط فيه الاستثناء في فرض الكفاية، لحقت به هذه الصور في ذلك.
وإذا كان الجهاد فرض كفاية؛ فالأصل وجوب استئذان الغريم على ما قدَّمنا إلاَّ في صور: