فهرس الكتاب
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جَنْبُهُ وجَبِيْنُهُ وظَهْرُهُ، كُلَّما رُدّتْ أُعيدت له، في يوم كان مقداره ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار) [رواه مسلم] .
وأخرج أبو موسى المديني بإسناده في"الترغيب والترهيب"، قال: (دخلت امراةٌ على عائشة قد شُلَّت يدُها فقالت: يا أم المؤمنين، بتُّ البارحة صحيحة اليد فأصبحت شلاَّء! قالت عائشة: وما ذاك؟ قالت: كان لي أبوان موسِران، كان أبي يعطي الزكاة ويقري الضيف ويعطي السائل ولا يحقر من الخير شيئًا إلاّ فعله، وكانت أمي امرأة بخيلة ممسكة، لا تصنع في مالها خيرًا، فمات أبي ثم ماتت أمي بعده بشهرين، فرأيت البارحة في منامي أبي وعليه ثوبان أصفران، بين يديه نهرٌ جارٍ، قالت: يا أبه ما هذا؟ قال: يا بنيه، من يعمل في هذه الدنيا خيرًا يره، هذا أعطانيه الله تعالى، قالت: فما فعلت أمي؟ قال: وقد ماتت أمك؟! قلت: نعم، قال: هيهات؟ عدلت عنّا، فاذهبي فالتمسيها ذات الشمال، فملت عن شمالي، فإذا أنا بأمي قائمة عريانة متزرة بخرقة، بيدها شُحيمة تنادي: والهفاه، واحسرتاه، واعطشاه، فإذا بلغها الجهد دلكت تلك الشُحيمة براحتها ثم لحستها، وإذا بين يديها نهرٌ جارٍ، قلت: يا أماه ما لك تناديت العطش وبين يديك نهرٌ جارٍ؟! قالت: لا أترك أن أشرب منه، قلت: أفلا أسقيك؟ قالت: وددت أنك فعلت، فغرفت لها غرفة فسقيتها، فلمَّا شربت نادى منادٍ من ذات اليمين: ألا من سقى هذه المرأة شُلَّت يمينه مرتين، فأصبحتُ شلاَّء اليمين، لا أستطيع ان أعمل بيميني، قالت لها عائشة: وعَرَفْتِ الخرقة؟ قالت: نعم يا أمَّ المؤمنين، وهي التي رأيتها عليها، ما رأيت أمي تصدَّقت بشيءٍ قط، إلا أن أبي نحر ذات يومٍ ثورًا، فجاء سائل فعمدت أمي إلى عظمٍ عليه شُحيمة فناولتها إياه، وما رأيتها تصدّقت بشيء إلا أن سائلًا جاء يسأل، فعمدت أمي إلى خرقة فناولتها إياه، فكبّرت عائشة رضي الله عنها وقالت: صدق الله وبلَّغ رسوله صلى الله عليه وسلم {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} ) [وحسن إسناده ابن رجب] .
إذًا لا يغبط إلا من أنفق ماله بالليل والنهار في السر والعلانية؛ يبتغي بذلك وجه الله، فهذا هو الذي يمدح صاحبه فهنيئًا والله لهذا الجنس من الناس، فأموالهم مخلوفة؛"ما نقص مال من صدقة"، وأجورهم مكتوبة، ودرجاتهم مرفوعة كروبهم مفروجة، لا همٌّ عليهم ولا غم، آمنون إذا خاف الناس فرحون إذا حزن الناس، قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأما الأحاديث؛