من نزه مولاه عن نقائصهم وعظمه سبحانه وأحسن الظن به وتوكل عليه حق التوكل فهو كافيه وحسيبه .. (( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) )..
والحسيب: الكافي، وحسبنا الله: أي كافينا وحده سبحانه.
وبقدر ما يكون العبد حسن الظن بالله حسن الرجاء له، صادق التوكل عليه فإن الله لا يخيب أمله البتة، فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل ..
ولذلك قالت أمنا خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لما رجع من حراء يرجف فؤاده بعد أول لقاء له بالملك ..
قالت: (كلا والله، لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين عن نوائب الحق) .
فأقسمت رضي الله عنها أن الله لا يخزيه أبدا إحسانا منها بالظن بالله عز وجل في عادته سبحانه وتعالى مع عباده المحسنين.
وقد قرر الله تبارك وتعالى في كتابه (( إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) ).
فحق لمن كان من المؤمنين أن يربأ بنفسه عن سبيل الكافرين، فيحسن ظنه بالله في شؤون دنياه وأخراه .. وإذا كانت الآيه الأولى ظاهرها في أمور الدنيا ..
فقد قال تعالى في أمور الآخرة: (( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) ).
فهذه كما نص العلماء أرجى آية في كتاب الله سبحانه، لاشتمالها على أعظم بشارة فإنه سبحانه أضاف أولا العباد فيها إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، فهو وليهم الحميد الذي لا يخذلهم إن أحسنوا الظن به ولاذوا بجنابه، وأناخوا مطاياهم ببابه، ثم عقب ذلك بنهيهم عن القنوط من الرحمة .. ثم بين لهم سبحانه بأوضح عبارة بأنه يغفر الذنوب جميعا لمن أناب إليه ..
فيا لها من بشارة تقر بها عيون الموحدين، وترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم ووليهم، الصادقين في رجائه، الخالعين لثياب القنوط ولسوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب ولا يبخل بمغفرته ورحمته على عباده، المتوجهين الملتجئين المنيبين إليه ..