ولذلك قال تعالى بعد هذه الآية مباشرة: (( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم .. ) )
فإذا كان إحسان الظن بالله عند الإقبال عليه بين يدي الموت، هو الاطمئنان إلى وعده للمؤمنين، والوثوق بمولاه أنه غير خاذله ولا مضيع عمله وإحسانه في سالف الأيام .. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله تعالى) رواه مسلم وأبو داود.
فإحسان الظن بالله تعالى في حياة المرء كما نبهت الآيات في أعلاه، تقتضي الإنابة واللجوء إليه والفرار بالأعمال الصالحة إلى مرضاته .. ومفارقة سبيل وطريق الذين أساؤوا ظنهم بربهم فعصوه ..
وهذا هو الفرق بين (التمني على الله) الذي هو سبيل من عصوه سبحانه وتعالى ..
وبين (إحسان الظن بالله) الذي هو سبيل المؤمنين.
-فالتمني يكون مع العجز والكسل واتباع النفس للهوى، وعدم سلوكها طريق الجد والاجتهاد والتوبة والإنابة والعمل، ثم يتمنى على الله الأماني.
وأما حسن الظن المحمود والرجاء الشرعي، يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل على الله.
فالأول كحال من يتمنى إن تكون له أرض يبذرها ويحصدها دون ان يحرك ساكنا أو أن يكلف نفسه عملا .. أو كمن يتمنى إن يكون له أولاد دون أن ينكح؛ والثاني يشق أرضه ويفلحها ويبذر حرثه ثم يرجوا طلوع الزرع طيبا يافعا .. ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء وحسن الظن لا يصح إلا مع العمل .. وقد تقدمت كلمات أم المؤمنين رضي الله عنها الدالة باستقرائها وتجربتها أن الله لا يخزي من عمل صالحا أبدا.
فلكي يكون حسن الظن بالله حاديا يحدي القلوب إلى بلاد المحبوب، ويطيب للسالك السير ويسهله لبلوغ الدار الآخرة، فلا بد من اقترانه بالعمل، وقد أكثر الصالحون من ذكر حسن الظن بالله، وجميع مقالاتهم ترمي إلى هذا الشرط، فروى ابن أبي الدنيا في كتاب"حسن الظن بالله تعالى"بإسناده عن علي بن بكار أنه سأل عن حسن الظن بالله تعالى فقال: (أن لا يجمعك والفجار في دار واحدة) يقصد النار دار البوار ..